البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين
و عظمت المحنة بهم جدا و استفحل أمرهم، حتى أن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم و كثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه فقال لها:
ما ذا تكرهين منى؟ قالت: أكرهك كلك. فقال: فما تحبين؟ فقالت تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي فأعتقها و أعطاها ألف دينار و أطلقها، فتعجب الناس من حلمه و كرمه مع فسقه و قوته. قال: و ورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة و المدينة في الموسم، و لم يخطب للطائع. قال: و في رجب منها غلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر الدقيق الحواري بمائة و نيف و سبعين دينارا. قال: و فيها اضمحل أمر عضد الدولة بن بويه و تفرق جنده عنه و لم يبق معه سوى بغداد وحدها، فأرسل إلى أبيه يشكو له ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه بختيار، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعد أن أخرج ابن عمه من السجن و خلع عليه و أعاده إلى ما كان عليه، و شرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها، و جعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور، و استمر ذاهبا إلى بلاده، و ذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، و غضبه عليه بسبب غدره بابن عمه و تكرار مكاتباته فيه إليه. و لما سار ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد، و لما استقر عز الدولة بختيار ببغداد و ملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما قال، و لا ما كان التزم، بل تمادى على ضلاله القديم، و استمر على مشيه الّذي هو غير مستقيم، من الرفض و غيره.
قال: و في يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوج الخليفة الطائع شاه باز بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، و في سلخ ذي العقدة عزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان و قلده أبو محمد معروف. و إمام الحج فيها أصحاب الفاطمي، و خطب له بالحرمين دون الطائع و اللَّه سبحانه أعلم.
ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين
ذكر ابن الأثير في كامله أن الفتكين غلام معز الدولة الّذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم، و التف عليه عساكر و جيوش من الديلم و الترك و الأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق، و كان عليها من جهة الفاطميين ريان الخادم، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراء أهلها و شيوخها فذكروا له ما هم فيه من الظلم و الغشم و مخالفة الاعتقاد بسبب الفاطميين، و سألوه أن يصمم على أخذها ليستنقذها منهم، فعند ذلك صمم على أخذها و لم يزل حتى أخذها و أخرج منها ريان الخادم و كسر أهل الشر بها، و رفع أهل الخير، و وضع في أهلها العدل و قمع أهل اللعب و اللهو، و كف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا، و أخذوا عامة المرج و الغوطة، و نهبوا أهلها. و لما استقامت الأمور على يديه و صلح أمر أهل الشام كتب إليه المعز الفاطمي يشكر سعيه و يطلبه إليه