البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١١ - محمد بن العباس
و لم تزل منزلته عالية عنده إلى أن مات في هذه السنة، و قام مكانه الحسين الّذي كان يقال له قائد القواد، و هو أكبر أمراء الحاكم، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى و أربعمائة، و قتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، و أظن هذا القاضي هو الّذي صنف البلاغ الأكبر، و الناموس الأعظم، الّذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، و قد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني (رحمه اللَّه).
ثم دخلت سنة ثنتين و ثمانين و ثلاثمائة
في عاشر محرمها أمر الوزير أبو الحسن على بن محمد الكوكبي- و يعرف بابن المعلم و كان قد استحوذ على السلطان- أهل الكرخ و باب الطاق من الرافضة بأن لا يفعلوا شيئا من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء: من تعليق المسوح و تغليق الأسواق و النياحة على الحسين، فلم يفعلوا شيئا من ذلك و للَّه الحمد. و قد كان هذا الرجل من أهل السنة إلا أنه كان طماعا، رسم أن لا يقبل أحدا من الشهود ممن أحدثت عدالته بعد ابن معروف، و كان كثيرا منهم قد بذل أموالا جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئا فوقّع لهم بالاستمرار، و لما كان في جمادى الآخرة سعت الديلم و الترك على ابن المعلم هذا و خرجوا بخيامهم إلى باب الشماسية و راسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه مدافعة عظيمة في أيام متعددة، و لم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنقه في حبل و مات و دفن بالمحرم. و في رجب منها سلم الخليفة الطائع الّذي خلع إلى الخليفة القادر فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلافة و أمر أن تجرى عليه الأرزاق و التحف و الألطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل و ملبس و طيب و غيره و وكل به من يحفظه و يخدمه، و كان يتعنت على القادر في تقلله في المأكل و الملبس، فرتب من يحضر له من سائر الأنواع، و لم يزالوا كذلك حتى توفى و هو في السجن. و في شوال منها ولد للخليفة القادر ولد ذكر، و هو أبو الفضل محمد بن القادر باللَّه، و قد ولاه العهد من بعده و سماه الغالب باللَّه، فلم يتم له الأمر. و في هذا الوقت غلت الأسعار ببغداد حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهما، و الجزر بدرهم. و في ذي القعدة قام صاحب الصفراء الأعرابي و التزم بحراسة الحجاج في ذهابهم و إيابهم، و أن يخطب للقادر من اليمامة و البحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، و أطلقت له الخلع و الأموال و الأواني و غيرها.
و ممن توفى فيها من الأعيان
محمد بن العباس
ابن محمد بن محمد بن زكريا بن يحيى بن معاذ أبو عمر القزاز المعروف بابن حيوة، سمع البغوي و الباغندي و ابن صاعد و خلقا كثيرا، و انتقد عليه الدار قطنى و سمع منه الأعيان، و كان ثقة دينا متيقظا ذا مروءة، و كتب من الكتب الكبار كثيرا بيده، و كانت وفاته في ربيع الآخر منها و قد