البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - ثم دخلت سنة ست و ستين و ثلاثمائة
سنة، و قبل موته بسنة قسم ملكه بين أولاده كما ذكرنا، و قد عمل ابن العميد مرة ضيافة في داره و كانت حافلة حضرها ركن الدولة و بنوه و أعيان الدولة، فعهد ركن الدولة في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة و خلع عضد الدولة على إخوته و سائر الأمراء الأقبية و الأكسية على عادة الديلم، و حفوه بالريحان على عادتهم أيضا، و كان يوما مشهودا. و قد كان ركن الدولة قد أسن و كبر و توفى بعد هذه الوليمة بقليل في هذه السنة، و كان حليما وقورا كثير الصدقات محبا للعلماء فيه بر و كرم و إيثار، و حسن عشرة و رياسة، و حنو على الرعية و على أقاربه. و حين تمكن ابنه عضد الدولة قصد العراق ليأخذها من ابن عمه بختيار لسوء سيرته و رداءة سريرته، فالتقوا في هذه السنة بالأهواز فهزمه عضد الدولة و أخذ أثقاله و أمواله، و بعث إلى البصرة فأخذها و أصلح بين أهلها حييى ربيعة و مضر، و كان بينهما خلف متقادم من نحو مائة و عشرين سنة، و كانت مضر تميل إليه و ربيعة عليه، ثم اتفق الحيان عليه و قويت شوكته، و أذل بختيار و قبض على وزيره ابن بقية لأنه استحوذ على الأمور دونه، و جبى الأموال إلى خزائنه، فاستظهر عضد الدولة بما وجده في الخزائن و الحواصل لابن بقية و لم يبق له منها بقية. و كذلك أمر ركن الدولة بالقبض على وزير أبيه أبى الفتح بن العميد لموجدة تقدمت منه إليه، و قد سلف ذكرها. و لم يبق لابن العميد أيضا في الأرض بقية، و قد كانت الأكابر تتقيه.
و قد كان ابن العميد من الفسوق و العصيان بأوفر مكان، فخانته المقادير و نزل به غضب السلطان، و نحن نعوذ باللَّه من غضب الرحمن.
و في منتصف شوال منها توفى الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب بلاد خراسان و بخارى و غيرها، و كانت ولايته خمس عشر سنة، و قام بالأمر من بعده ولده أبو القاسم نوح، و كان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، و لقب بالمنصور.
و فيها توفى الحاكم و هو المستنصر باللَّه بن الناصر لدين اللَّه عبد الرحمن الأموي، و قد كان هذا من خيار الملوك و علمائهم، و كان عالما بالفقه و الخلاف و التواريخ محبا للعلماء محسنا إليهم. توفى و له من العمر ثلاث و ستون سنة و سبعة أشهر، و مدة خلافته منها خمسة عشر سنة و خمسة أشهر، و قام بالأمر من بعده ولده هشام و له عشر سنين و لقب بالمؤيد باللَّه، و قد اختلف عليه في أيامه و اضطربت الرعايا عليه و حبس مدة ثم أخرج و أعيد إلى الخلافة، و قام بأعباء أمره حاجبه المنصور أبو عامر محمد بن أبى عامر المعافري، و ابناه المظفر و الناصر، فساسوا الرعايا جيدا و عدلا فيهم و غزوا الأعداء و استمر لهم الحال كذلك نحوا من ست و عشرين سنة. و قد ساق ابن الأثير هنا قطعة من أخبارهم و أطال.
و فيها رجع ملك حلب إلى أبى المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، و ذلك أنه لما مات أبوه و قام هو من بعده تغلب قرعويه مولاهم و استولى عليهم سار إليه فأخرجه منها خائفا يترقب،