البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - المتنبي الشاعر المشهور
و استخلف عليهم طاهر بن الحسين، فطمع في الملك بعده و استمال أهل البلد، فلما رجع من الحج لم يسلمه البلد و عصى عليه، فذهب إلى بخارا إلى الأمير منصور بن نوح الساماني فاستنجده، فبعث معه جيشا فاستنقذ البلد من طاهر و سلمها إلى الأمير خلف بن أحمد- و قد كان خلف عالما محبا للعلماء- فذهب طاهر فجمع جموعا ثم جاء فحاصر خلفا و أخذ منه البلد. فرجع خلف إلى الأمير منصور الساماني فبعث معه من استرجع له البلد ثانية و سلمها إليه، فلما استقر خلف بها و تمكن منها منع ما كان يحمله من الهدايا و التحف و الخلع إلى الأمير منصور الساماني ببخارا، فبعث إليه جيشا فتحصن خلف في حصن يقال له حصن إراك، فنازله الجيش فيه تسع سنين لم يقدروا عليه، و ذلك لمناعة هذا الحصن و صعوبته و عمق خندقه و ارتفاعه، و سيأتي ما آل إليه أمر خلف بعد ذلك. و فيها قصدت طائفة من الترك بلاد الخزر فاستنجد أهل الخزر بأهل خوارزم فقالوا لهم: لو أسلمتم لنصرناكم. فأسلموا الا ملكهم، فقاتلوا معهم الترك فأجلوهم عنها ثم أسلم الملك بعد ذلك و للَّه الحمد و المنة.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
المتنبي الشاعر المشهور
أحمد بن الحسين بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي، كان أبوه يعرف بعيدان السقا و كان يسقى الماء لأهل الكوفة على بعير له، و كان شيخا كبيرا. و عيدان هذا قال ابن ماكولا و الخطيب: هو بكسر العين المهملة و بعدها ياء مثناة من تحت، و قيل بفتح العين لا كسرها، فاللَّه أعلم. كان مولد المتنبي بالكوفة سنة ست و ثلاثمائة و نشأ بالشام بالبادية فطلب الأدب ففاق أهل زمانه فيه، و لزم جناب سيف الدولة بن حمدان و امتدحه و حظي عنده، ثم صار إلى مصر و امتدح الإخشيد ثم هجاء و هرب منه، و ورد بغداد فامتدح بعض أهلها، و قدم الكوفة و مدح ابن العميد فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار، ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بن بويه فأطلق له أموالا جزيلة تقارب مائتي ألف درهم، و قيل بل حصل له منه نحو من ثلاثين ألف دينار، ثم دس إليه من يسأله أيما أحسن عطايا عضد الدولة بن بويه أو عطايا سيف الدولة بن حمدان؟ فقال: هذه أجزل و فيها تكلف، و تلك أقل و لكن عن طيب نفس من معطيها، لأنها عن طبيعة و هذه عن تكلف. فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيظ عليه و دس عليه طائفة من الأعراب فوقفوا له في أثناء الطريق و هو راجع إلى بغداد، و يقال إنه كان قد هجى مقدمهم ابن فاتك الأسدي- و قد كانوا يقطعون الطريق- فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرضوا له فيقتلوه و يأخذوا له ما معه من الأموال، فانتهوا إليه ستون راكبا في يوم الأربعاء و قد بقي من رمضان ثلاثة أيام، و قيل بل قتل في يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان، و قيل بل كان ذلك في شعبان، و قد نزل عند عين تحت شجرة إنجاص، و قد وضعت سفرته ليتغدى، و معه ولده محسن و خمسة عشر غلاما له، فلما رآهم قال: هلموا يا وجوه العرب إلى الغداء، فلما لم يكلموه أحس بالشر فنهض إلى