البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - الجاحظ المتكلم المعتزلي
خلق من الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ، فعبر بهم دجلة فنزل الديناري، و كان يزعم لبعض من معه أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، و كان يدعى أنه يحفظ سورا من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه لا يحفظها غيره في مدة دهر طويل، و هن سبحان و الكهف و ص و عم.
و زعم أنه فكّر يوما و هو في البادية إلى أي بلد يسير فخوطب من سحابة أن يقصد البصرة فقصدها، فلما اقترب منها وجد أهلها مفترقين على شعبتين، سعدية و بلالية، فطمع أن ينضم إلى إحداهما فيستعين بها على الأخرى فلم يقدر على ذلك، فارتحل إلى بغداد فأقام بها سنة و انتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، و كان يزعم بها أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه، و أن اللَّه يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جهلة من الطغام، و طائفة من الرعاع العوام. ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان فاجتمع معه بشر كثير و لكن لم يكن معهم عدد يقاتلون بها فأتاهم جيش من ناحية البصرة فاقتتلوا جميعا، و لم يكن في جيش هذا الخارجي سوى ثلاثة أسياف، و أولئك الجيش معهم عدد و عدد و لبوس، و مع هذا هزم أصحاب هذا الخارجي ذلك الجيش، و كانوا أربعة آلاف مقاتل، ثم مضى نحو البصرة بمن معه فأهدى له رجل من أهل جبى فرسا فلم يجد لها سرجا و لا لجاما، و إنما ألقى عليها حبلا و ركبها و سنف حنكها بليف، ثم صادر رجلا و تهدده بالقتل فأخذ منه مائة و خمسين دينارا و ألف درهم، و كان هذا أول مال نهبه من هذه البلاد، و أخذ من آخر ثلاثة براذين، و من موضع آخر شيئا من الأسلحة و الأمتعة، ثم سار في جيش قليل السلاح و الخيول، ثم جرت بينه و بين نائب البصرة وقعات متعددة، يهزمهم فيها و كل ما لأمره يقوى و تزداد أصحابه و يعظم أمره و يكثر جيشه، و هو مع ذلك لا يتعرض لأموال الناس و لا يؤذى أحدا، و إنما يريد أخذ أموال السلطان. و قد انهزم أصحابه في بعض حر و به هزيمة عظيمة ثم تراجعوا إليه و اجتمعوا حوله، ثم كروا على أهل البصرة فهزموهم و قتلوا منهم خلقا و أسروا آخرين، و كان لا يؤتى بأسير إلا قتله ثم قوى أمره و خافه أهل البصرة، و بعث الخليفة إليها مددا ليقاتلوا هذا الخارجي و هو صاحب الزنج قبحه اللَّه، ثم أشار عليه بعض أصحابه أن يهجم بمن معه على البصرة فيدخلونها عنوة فهجن آراءهم و قال: بل نكون منها قريبا حتى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها و يخطبوننا عليها. و سيأتي ما كان من أمره و أمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء اللَّه. و فيها حج بالناس على بن الحسين بن إسماعيل بن محمد بن عبد اللَّه بن عباس.
و فيها توفى
الجاحظ المتكلم المعتزلي
و إليه تنسب الفرقة الجاحظية لجحوظ عينيه، و يقال له الحدقى و كان شنيع المنظر سيئ المخبر رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدع و الضلالات، و ربما جاز به بعضهم إلى الانحلال حتى قيل في المثل يا ويح من كفره الجاحظ. و كان بارعا فاضلا قد أتقن علوما كثيرة و صنف كتبا جمة تدل على قوة