البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - فصل
ذكر ملك المعز الفاطمي دمشق و انتزاعه إياها من القرامطة
لما انهزم القرمطى بعث المعز سرية و أمر عليهم ظالم بن موهوب العقيلي، فجاءوا إلى دمشق فتسلمها من القرامطة بعد حصار شديد و اعتقل متوليها أبا الهيجاء القرمطى و ابنه، و اعتقل رجلا يقال له أبو بكر من أهل نابلس، كان يتكلم في الفاطميين و يقول: لو كان معى عشرة أسهم لرميت الروم بواحد و رميت الفاطميين بتسعة. فأمر به فسلخ بين يدي المعز وحشي جلده تبنا و صلب بعد ذلك. و لما تفرغ أبو محمود القائد من قتال القرامطة أقبل نحو دمشق فخرج إليه ظالم بن موهوب فتلقاه إلى ظاهر البلد و أكرمه و أنزله ظاهر دمشق، فأفسد أصحابه في الغوطة و نهبوا الفلاحين و قطعوا الطرقات، فتحول أهل الغوطة إلى البلد من كثرة النهب، و جيء بجماعة من القتلى فالقوا فكثر الضجيج، و غلقت الأسواق، و اجتمعت العامة للقتال، و التقوا مع المغاربة فقتل من الفريقين جماعة و انهزمت العامة غير مرة، و أحرقت المغاربة ناحية باب الفراديس، فاحترق شيء كثير من الأموال و الدور، و طال القتال بينهم إلى سنة أربع و ستين و أحرقت البلد مرة أخرى بعد عزل ظالم بن موهوب و تولية جيش بن صمصامة بن أخت أبى محمود قبحه اللَّه، و قطعت القنوات و سائر المياه عن البلد، و مات كثير من الفقراء في الطرقات من الجوع و العطش، و لم يزل الحال كذلك حتى ولى عليهم الطواشى ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فسكنت النفوس و للَّه الحمد.
فصل
و لما قويت الأتراك ببغداد تحير بختيار بن معز الدولة في أمره و هو مقيم بالأهواز لا يستطيع الدخول إلى بغداد، فأرسل إلى عمه ركن الدولة يستنجده فأرسل إليه بعسكر مع وزيره أبى الفتح بن العميد، و أرسل إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة فأبطأ عليه و أرسل إلى عمران بن شاهين فلم يجبه، و أرسل إلى أبى تغلب بن حمدان فأظهر نصره و إنما يريد في الباطن أخذ بغداد، و خرجت الأتراك من بغداد في جحفل عظيم و معهم الخليفة المطيع و أبوه، فلما انتهوا إلى واسط توفى المطيع و بعد أيام توفى سبكتكين، فحملا إلى بغداد و التف الأتراك على أمير يقال له الفتكين، فاجتمع شملهم و التقوا مع بختيار فضعف أمره جدا و قوى عليه ابن عمه عضد الدولة فأخذ منه ملك العراق و تمزق شمله، و تفرق أمره. و فيها خطب للمعز الفاطمي بالحرمين مكة و المدينة النبويّة. و فيها خرج طائفة من بنى هلال و طائفة من العرب على الحجاج فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و عطلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام. و فيها انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة و أوله من سنة خمس و تسعين و مائتين، و هي أول دولة المقتدر. و فيها كانت زلزلة شديدة بواسط، و حج بالناس فيها الشريف أبو أحمد الموسوي، و لم يحصل لأحد حج في هذه السنة سوى من كان معه على درب