البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٧ - عبد الصمد بن عمر بن إسحاق
ثم دخلت سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة
فيها كان خروج أبى ركوة على الحاكم العبيدي صاحب مصر. و ملخص أمر هذا الرجل أنه كان من سلالة هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، و اسمه الوليد، و إنما لقب بأبي ركوة لركوة كان يصحبها في أسفاره على طريق الصوفية، و قد سمع الحديث بالديار المصرية، ثم أقام بمكة ثم رحل إلى اليمن ثم دخل الشام، و هو في غضون ذلك يبايع من انقاد له، ممن يرى عنده همة و نهضة للقيام في نصرة ولد هشام، ثم إنه أقام ببعض بلاد مصر في محلة من محال العرب، يعلم الصبيان و يظهر التقشف و العبادة و الورع، و يخبر بشيء من المغيبات، حتى خضعوا له و عظموه جدا، ثم دعا إلى نفسه و ذكر لهم أنه الّذي يدعى إليه من الأمويين، فاستجابوا له و خاطبوه بأمير المؤمنين، و لقب بالثائر بأمر اللَّه المنتصر من أعداء اللَّه، و دخل برقة في جحفل عظيم، فجمع له أهلها نحوا من مائتي ألف دينار، و أخذ رجلا من اليهود اتهم بشيء من الودائع فأخذ منه مائتي ألف دينار أيضا، و نقشوا الدراهم و الدنانير بألقابه، و خطب بالناس يوم الجمعة و لعن الحاكم في خطبته و نعما فعل، فالتف على أبى ركوة من الجنود نحو من ستة عشر ألفا، فلما بلغ الحاكم أمره و ما آل إليه حاله بعث بخمسمائة ألف دينار و خمسة آلاف ثوب إلى مقدم جيوش أبى ركوة و هو الفضل بن عبد اللَّه يستميله إليه و يثنيه عن أبى ركوة، فحين وصلت الأموال إليه رجع عن أبى ركوة و قال له: إنا لا طاقة لنا بالحاكم، و ما دمت بين أظهرنا فنحن مطلوبون بسببك، فاختر لنفسك بلدا تكون فيها. فسأل أن يبعثوا معه فارسين يوصلانه إلى النوبة فان بينه و بين ملكها مودة و صحبة، فأرسله، ثم بعث وراءه من رده إلى الحاكم بمصر، فلما وصل إليه أركبه جملا و شهره ثم قتله في اليوم الثاني، ثم أكرم الحاكم الفضل و أقطعه أقطاعا كثيرة.
و اتفق مرض الفضل فعاده الحاكم مرتين، فلما عوفي قتله و ألحقه بصاحبه. و هذه مكافاة التمساح. و في رمضان منها عزل قرواش عما كان بيده و وليه أبو الحسن على بن يزيد، و لقب بسند الدولة. و فيها هزم يمين الدولة محمود بن سبكتكين ملك الترك عن بلاد خراسان و قتل من الأتراك خلقا كثيرا.
و فيها قتل أبو العباس بن واصل و حمل رأسه إلى بهاء الدولة فطيف به بخراسان و فارس. و فيها ثارت على الحجيج و هم بالطريق ريح سوداء مظلمة جدا، و اعترضهم ابن الجراح أمير الأعراب فاعتاقهم عن الذهاب ففاتهم الحج فرجعوا إلى بلادهم فدخلوها في يوم التروية. و كانت الخطبة بالحرمين للمصريين.
و فيها توفى من الأعيان
عبد الصمد بن عمر بن إسحاق
أبو القاسم الدينَوَريّ الواعظ الزاهد، قرأ القرآن و درس على مذهب الشافعيّ على أبى سعيد الاصطخرى، و سمع الحديث من النجاد، و روى عنه الصيمري، و كان ثقة صالحا، يضرب به المثل في مجاهدة النفس، و استعمال الصدق المحض، و التعفف و التفقه و التقشف، و الأمر بالمعروف و النهى