البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة
فقال: أيها الوزير إن أمى منذ كنت صغيرا كل ليلة تضع تحت وسادتي رغيفا، فإذا أصبحت تصدقت به عنى، فلم يزل كذلك دأبها حتى ماتت. فلما ماتت فعلت أنا ذلك مع نفسي، فكل ليلة أضع تحت وسادتي رغيفا ثم أصبح فأتصدق به. فعجب الوزير من ذلك و قال: و اللَّه لا ينالك منى بعد اليوم سوء أبدا، و لقد حسنت نيتي فيك، و قد أحببتك. و قد أطال ابن خلكان ترجمته فذكر بعض ما أوردناه في ترجمته.
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن
أبو بكر الأزدي الواسطي، المعروف بالباغندي، سمع محمد بن عبد اللَّه بن نمير، و ابن أبى شيبة و شيبان بن فروخ، و على بن المديني، و خلقا من أهل الشام و مصر و الكوفة و البصرة و بغداد، و رحل إلى الأمصار البعيدة، و عنى بهذا الشأن، و اشتغل فيه فأفرط، حتى قيل إنه ربما سرد بعض الأحاديث بأسانيدها في الصلاة و النوم و هو لا يشعر، فكانوا يسبحون به حتى يتذكر أنه في الصلاة، و كان يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف مسألة من الحديث لا أتجاوزه إلى غيره. و قد رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في منامه فقال له: يا رسول اللَّه أيما أثبت في الأحاديث منصور أو الأعمش؟ فقال له: منصور.
و قد كان يعاب بالتدليس حتى قال الدار قطنى: هو كثير التدليس، يحدث بما لم يسمع، و ربما سرق بعض الأحاديث و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة
قال ابن الجوزي: في ليلة بقيت من المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه و سمع له صوت كصوت الرعد الشديد. و في صفر منها بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثى فينالون من الصحابة و لا يصلون الجمعة، و يكاتبون القرامطة و يدعون إلى محمد بن إسماعيل الّذي ظهر بين الكوفة و بغداد، و يدعون أنه المهدي، و يتبرءون من المقتدر و ممن تبعه. فأمر بالاحتياط عليهم و استفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح، و نودي عليهم. و أمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه نازوك، و أمر الوزير الخاقانيّ فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي. و خرج الناس للحج في ذي القعدة فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى، فرجع أكثر الناس إلى بلدانهم، و يقال إن بعضهم سأل منه الأمان ليذهبوا فأمنهم. و قد قاتله جند الخليفة فلم يفد ذلك شيئا لتمرده و شدة بأسه، فانزعج أهل بغداد من ذلك، و ترحل أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي خوفا منهم، و دخل القرمطى إلى الكوفة فأقام بها شهرا يأخذ من أموالها و نسائها ما يختار. قال ابن الجوزي: و كثر الرطب في هذه السنة ببغداد حتى بيع كل ثمانية أرطال بحبة، و عمل