البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - و فيها توفى بقي بن مخلد
و قد ذكرنا ترجمته في التكميل و ذكرنا ثناء الأئمة عليه.
و فيها توفى
محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبس الضميري الشاعر،
كان دينا كثير الملح، و كان هجاء، و من جيد شعره قوله:
كم عليل عاش من بعد يأس* * * بعد موت الطبيب و العواد
قد تصاد القطا فتنجو سريعا* * * و يحل البلاء بالصياد
ثم دخلت سنة ست و سبعين و مائتين
في المحرم منها أعيد عمرو بن الليث إلى شرطة بغداد و كتب اسمه على الفرش و المقاعد و الستور ثم أسقط اسمه عن ذلك و عزل و ولى عبيد اللَّه بن طاهر. و فيها ولى الموفق لابن أبى الساج نيابة أذربيجان و فيها قصد هاون الشاري الخارجي مدينة الموصل فنزل شرقيها فحاصرها فخرج إليه أهلها فاستأمنوه فأمنهم و رجع عنهم. و فيها حج بالناس هارون بن محمد العباسي أمير الحرمين و الطائف، و لما رجع حجاج اليمن تزلوا في بعض الأماكن فجاءهم سيل لم يشعروا به فغرقهم كلهم لم يفلت منهم أحد ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و ذكر ابن الجوزي في منتظمه و ابن الأثير في كامله أن في هذه السنة انفرج تل بنهر الصلة في أرض البصرة يعرف بتل بنى شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض، و فيها سبعة أبدان صحيحة أجسادهم و أكفانهم يفوح منهم ريح المسك، أحدهم شاب و له جمة و على شفته بلل كأنه قد شرب ماء الآن، و كأن عينيه مكحلتان و به ضربة في خاصرته، و أراد أحدهم أن يأخذ من شعره شيئا فإذا هو قوى الشعر كأنه حي فتركوا على حالهم.
و ممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن حازم بن أبى عزرة الحافظ صاحب المسند المشهور له حديث كثير و روايته عالية.
و فيها توفى. بقي بن مخلد
أبو عبد الرحمن الأندلسى الحافظ الكبير، له المسند المبوب على الفقه، روى فيه عن ألف و ستمائة صحابى، و قد فضله ابن حزم على مسند الامام أحمد بن حنبل، و عندي في ذلك نظر، و الظاهر أن مسند أحمد أجود منه و أجمع. و قد رحل بقي إلى العراق فسمع من الامام أحمد و غيره من أئمة الحديث بالعراق و غيرها يزيدون على المائتين بأربعة و ثلاثين شيخا، و له تصانيف أخر، و كان مع ذلك رجلا صالحا عابدا زاهدا مجاب الدعوة، جاءته امرأة فقالت: إن ابني قد أسرته الافرنج، و إني لا أنام الليل من شوقي إليه، ولى دويرة أريد أن أبيعها لأستفكه، فان رأيت أن تشير على أحد يأخذها لأسعى في فكاكه بثمنها، فليس يقر لي ليل و لا نهار، و لا أجد نوما و لا صبرا و لا قرارا و لا راحة. فقال: نعم انصرفي حتى انظر في ذلك إن شاء اللَّه. و أطرق الشيخ و حرك شفتيه يدعو