البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٠ - ثم دخلت سنة سبع و ستين و مائتين
و فيها توفى من الأعيان إبراهيم بن رومة. و صالح بن الامام أحمد بن حنبل قاضى أصبهان.
و محمد بن شجاع البلخي أحد عباد الجهمية. و محمد بن عبد الملك الدقيقي.
ثم دخلت سنة سبع و ستين و مائتين
فيها وجه أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس في نحو من عشرة آلاف فارس و راجل في أحسن هيئة و أكمل تجمل لقتال الزنج، فساروا نحوهم فكان بينهم و بينهم من القتال و النزال في أوقات متعددات و وقعات مشهورات ما يطول بسطه، و قد استقصاه ابن جرير في تاريخه مبسوطا مطولا. و حاصل ذلك أنه آل الحال أن استحوذ أبو العباس بن الموفق على ما كان استولى عليه الزنج ببلاد واسط و أراضى دجلة، هذا و هو شاب حدث لا خبرة له بالحرب، [و لكن سلمه اللَّه و غنمه و أعلى كلمته و سدد رميته و أجاب دعوته و فتح على يديه و أسبغ لعمه عليه، و هذا الشاب هو الّذي ولى الخلافة] [١] بعد عمه المعتمد كما سيأتي، ثم ركب أبو أحمد الموفق ناصر دين اللَّه في بغداد في صفر منها في جيوش كثيفة فدخل واسط في ربيع الأول منها، فتلقاه ابنه و أخبره عن الجيوش الذين معه، و أنهم نصحوا و تحملوا من أعباء الجهاد، فخلع على الأمراء كلهم خلعا سنية، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزنج و هو بالمدينة التي أنشأها و سماها المنيعة، فقاتل الزنج دونها قتالا شديدا فقهرهم و دخلها عنوة و هربوا منها، فبعث في آثارهم جيشا فلحقوهم إلى البطائح يقتلون و يأسرون، و غنم أبو أحمد بن المنيعة شيئا كثيرا و استنقذ. من النساء المسلمات خمسة آلاف امرأة، و أمر بإرسالهن إلى أهاليهن بواسط، و أمر بهدم سور البلد و بطم خندقها و جعلها بلقعا بعد ما كانت للشر مجمعا.
ثم سار الموفق إلى المدينة التي لصاحب الزنج التي يقال لها المنصورة و بها سليمان بن جامع، فحاصروها و قاتلوه دونها فقتل خلق كثير من الفريقين، و رمى أبو العباس بن الموفق بسهم أحمد بن هندي أحد أمراء صاحب الزنج فأصابه في دماغه فقتله، و كان من أكابر أمراء صاحب الزنج، فشق ذلك على الزنج جدا و أصبح الناس محاصرين مدينة الزنج يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر و الجيوش الموفقية مرتبة أحسن ترتيب، فتقدم الموفق فصلى أربع ركعات و ابتهل إلى اللَّه في الدعاء و اجتهد في حصارها فهزم اللَّه مقاتلتها و انتهى إلى خندقها فإذا هو قد حصن غاية التحصين، و إذا هم قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق و خمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سورا قاتلوه دون الآخر فيقهرهم و يجوز إلى الّذي يليه، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلقا كثيرا و هرب بقيتهم و أسر من نساء الزنج من حلائل سليمان بن جامع و ذويه نساء كثيرة و صبيانا، و استنقذ من أيديهم النساء المسلمات و الصبيان من أهل البصرة و الكوفة نحوا من عشرة آلاف نسمة فسيرهم إلى أهليهم، جزاه اللَّه خيرا.
[١] زيادة من المصرية.