البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - ثم دخلت سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة
خطب على المنبر يوم الجمعة، و آخر خليفة جالس الجلساء و وصل إليه الندماء. و آخر خليفة كانت نفقته و جوائزه و عطاياه و جراياته و خزائنه و مطابخه و مجالسه و خدمه و أصحابه و أموره كلها تجرى على ترتيب المتقدمين من الخلفاء. و قال غيره: كان فصيحا بليغا كريما جوادا ممدحا، و من جيد كلامه الّذي سمعه منه محمد بن يحيى الصولي: للَّه أقوام هم مفاتيح الخير، و أقوام هم مفاتيح الشر، فمن أراد اللَّه به خيرا قصده أهل الخير و جعله الوسيلة إلينا فنقضى حاجته و هو الشريك في الثواب و الأجر و الشكر.
و من أراد اللَّه به شرا عدل به إلى غيرنا و هو الشريك في الوزر و الإثم و اللَّه المستعان على كل حال.
و من ألطف الاعتذارات ما كتب به الراضي إلى أخيه المتقى و هما في المكتب- و كان المتقى قد اعتدى على الراضي و الراضي هو الكبير منهما- فكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، أنا معترف لك بالعبودية فرضا، و أنت معترف لي بالأخوة فضلا، و العبد يذنب و المولى يعفو. و قد قال الشاعر:
يا ذا الّذي يغضب من غير شي* * * اعتب فعتباك حبيب إلى
أنت على أنك لي ظالم* * * أعز خلق اللَّه طرا على
قال فجاء إليه أخوه المتقى فأكب عليه يقبل يديه و تعانقا و اصطلحا. و من لطيف شعره قوله فيما ذكره ابن الأثير في كامله:
يصفر وجهي إذا تأمله* * * طرفي و يحمر وجهه خجلا
حتى كأن الّذي بوجنته* * * من دم جسمي إليه قد نقلا
قال: و مما رثى به أباه المقتدر:
و لو أن حيا كان قبرا لميت* * * لصيرت أحشائى لأعظمه قبرا
و لو أن عمري كان طوع مشيئتى* * * و ساعدني المقدور قاسمته العمرا
بنفسي ثرى ضاجعت في تربة البلى* * * لقد ضم منك الغيث و الليث و البدرا
و مما أنشده له ابن الجوزي في منتظمه:
لا تكثرن لومى على الاسراف* * * ربح المحامد متجر الأشراف
أحوى لما يأتي المكارم سابقا* * * و أشيد ما قد أسست أسلافى
إني من القوم الذين أكفهم* * * معتادة الاملاق و الإتلاف
و من شعره الّذي رواه الخطيب عنه من طريق أبى بكر محمد بن يحيى الصولي النديم قوله:
كل صفو إلى كدر* * * كل أمن إلى حذر
و مصير الشباب للموت* * * فيه أو الكبر
در در المشيب من* * * واعظ ينذر البشر