البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - ثم دخلت سنة أربع و ثمانين و مائتين
سمع سفيان و قبيصة و القعنبي، و كان من الثقات. قال الدارقطنيّ: و ربما أخطأ. توفى في رمضان عن تسعين سنة
البحتري الشاعر
صاحب الديوان المشهور، اسمه الوليد بن عبادة، و يقال ابن عبيد بن يحيى أبو عباد الطائي البحتري الشاعر، أصله من منبج و قدم بغداد و مدح المتوكل و الرؤساء، و كان شعره في المدح خيرا منه في المراثي فقيل له في ذلك فقال: المديح للرجاء و المراثي للوفاء و بينهما بعد. و قد روى شعره المبرد و ابن درستويه و ابن المرزبان و قيل له: إنهم يقولون إنك أشعر من أبى تمام. فقال: لو لا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا. و قد كان البحتري شاعرا مطيقا فصيحا بليغا رجع إلى بلده فمات بها في هذه السنة، و قيل في التي بعدها عن ثمانين سنة.
ثم دخلت سنة أربع و ثمانين و مائتين
في المحرم منها دخل رأس رافع بن هرثمة إلى بغداد فأمر الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل. و في ربيع الأول منها خلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة أبى جعفر المنصور عوضا عن ابن أبى الشوارب بعد موته بخمسة أشهر و أيام، و قد كانت شاغرة تلك المدة. و في ربيع الآخر منها ظهرت بمصر ظلمة شديدة و حمرة في الأفق حتى كان الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا، و كذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل ثم خرجوا إلى الصحراء يدعون اللَّه و يتضرعون حتى كشف عنهم. و فيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر فحذّره ذلك وزيره عبد اللَّه بن وهب، و قال له: إن العامة تنكر قلوبهم ذلك و هم يترحمون عليه و يترضون عنه في أسواقهم و جوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك و أمضاه و كتب به نسخا إلى الخطباء بلعن معاوية و ذكر فيها ذمة و ذم ابنه يزيد بن معاوية و جماعة من بنى أمية، و أورد فيها أحاديث باطلة في زم معاوية و قرئت في الجانبين من بغداد، و نهيت العامة عن الترحم على معاوية و الترضى عنه، فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، و هو مما يرغب العامة في الطالبيين و قبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك لذلك تخوفا على الملك، و قدر اللَّه تعالى أن هذا الوزير كان ناصبيا يكفر عليا فكان هذا من هفوات المعتضد.
و فيها نودي في البلاد لا يجتمع العامة على قاص و لا منجم و لا جدلى و لا غير ذلك، و أمرهم أن لا يهتموا لأمر النوروز، ثم أطلق لهم النوروز فكانوا يصبون المياه على المراة و توسعوا في ذلك و غلوا فيه حتى جعلوا يصبون الماء على الجند و الشرط و غيرهم، و هذا أيضا من هفواته. قال ابن الجوزي: و فيها وعد المنجمون الناس أن أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار