البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - ثم دخلت سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة
الحافظ أبى الفتح محمد بن الحسن
ابن أحمد بن الحسين الأزدي الموصلي المصنف في الجرح و التعديل، و قد سمع الحديث من أبى يعلى و طبقته، و ضعفه كثير من الحفاظ من أهل زمانه، و اتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن بويه، حين قدم عليه بغداد، فساقه باسناد إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) «أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير». فأجازه و أعطاه دراهم كثيرة. و العجب إن كان هذا صحيحا كيف راج على أحد ممن له أدنى فهم و عقل، و قد أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، و قد قيل إنه توفى سنة تسع و ستين.
و فيها توفى
الخطيب ابن نباتة الحذاء
في بطن من قضاعة، و قيل إياد الفارقيّ خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، و لهذا أكثر ديوانه الخطب الجهادية، و لم يسبق إلى مثل ديوانه هذا، و لا يلحق إلا أن يشاء اللَّه شيئا، لأنه كان فصيحا بليغا دينا ورعا، روى الشيخ تاج الدين الكندي عنه أنه خطب يوم جمعة بخطبة المنام ثم رأى ليلة السبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في جماعة من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال له: مرحبا بخطيب الخطباء، ثم أومأ إلى قبور هناك فقال لابن نباتة: كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، و لم يعدوا في الأحياء مرّة، أبادهم الّذي خلقهم، و أسكنتهم الّذي أنطقهم، و سيجدّهم كما أخلقهم، و يجمعهم كما فرقهم، فتم الكلام ابن نباتة حتى انتهى إلى قوله (يوم تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ- و أشار إلى الصحابة الذين مع الرسول- وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) و أشار إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فقال: أحسنت أحسنت أدنه أدنه، فقبّل وجهه و تفل في فيه- و قال: وفقك اللَّه. فاستيقظ و به من السرور أمر كبير، و على وجهه بهاء و نور، و لم يعش بعد ذلك إلا سبعة عشر يوما لم يستطعم بطعام، و كان يوجد منه مثل رائحة المسك حتى مات (رحمه اللَّه). قال ابن الأزرق الفارقيّ: ولد ابن نباتة في سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة، و توفى في سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة. حكاه ابن خلكان.
ثم دخلت سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة
فيها خلع الخليفة على صمصامة الدولة و سوره و طوقه و أركب على فرس بسرج ذهب، و بين يديه جنيب مثله، و فيها ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة و هما إسحاق و جعفر، دخلا الكوفة في حفل عظيم فانزعجت النفوس بسبب ذلك، و ذلك لصرامتهما و شجاعتهما، و لأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهما، و أقطعهما أراضى من أراضى واسط، و كذلك عز الدولة من قبله أيضا. فجهز إليهما صمصامة جيشا فطردهما عن تلك النواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، و بطل ما كان في نفوس الناس منهما. و فيها عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكسا على الثياب الابريسميات، فاجتمع الناس بجامع المنصور و أرادوا تعطيل الجمعة و كادت الفتنة تقع بينهم فأعفوا من ذلك.