البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٣ - بدر بن حسنويه بن الحسين
الحاكم لما وقف لها و استمع كلامها،، فرحمها فوقف لها فبكت إليه بكاء شديدا مكرا و حيلة و خداعا، و قالت له: أيها القاضي إن لي أخا ليس لي غيره، و هو في السياق و إني أسألك بحق الحاكم عليك لما أوصلتنى إلى منزله، لأنظر إليه قبل أن يفارق الدنيا، و أجرك على اللَّه. فرق لها القاضي رقة شديدة و أمر رجلين كانا معه يكونان معها حتى يبلغانها إلى المنزل الّذي تريده، فأغلقت بابها و أعطت المفتاح لجارتها، و ذهبت معهما حتى وصلت إلى منزل معشوقها، فطرقت الباب و دخلت و قالت لهما: اذهبا هذا منزله فإذا رجل كانت تهواه و نحبه و يهواها و يحبها، فقال لها: كيف قدرت على الوصول إليّ؟
فأخبرته بما احتالت به من الحيلة على القاضي، فأعجبه ذلك من مكرها و حيلتها، و جاء زوجها من آخر النهار فوجد بابه مغلقا و ليس في بيته أحد، فسأل الجيران عن أمرها فذكرت له جارتها ما صنعت فاستغاث على القاضي و ذهب إليه و قال له: ما أريد امرأتي إلا منك الساعة، و إلا عرّفت الحاكم، فان امرأتي ليس لها أخ بالكلية، و إنما ذهبت إلى معشوقها، فخاف القاضي من معرّة هذا الأمر، فركب إلى الحاكم و بكى بين يديه، فسأله عن شأنه فأخبره بما اتفق له من الأمر مع المرأة، فأرسل الحاكم مع ذينك الرجلين من يحضر المرأة و الرجل جميعا، على أي حال كانا عليه، فوجدهما متعانقين سكارى، فسألهما الحاكم عن أمرهما فأخذا يعتذران بما لا يجدي شيئا، فأمر بتحريق المرأة في بادية و ضرب الرجل ضربا مبرحا حتى أتلفه، ثم ازداد احتياطا و شدة على النساء حتى جعلهن في أضيق من جحر ضب، و لا زال هذا دأبه حتى مات. ذكره ابن الجوزي.
و في رجب منها ولى أبو الحسن أحمد بن أبى الشوارب قضاء الحضرة بعد موت أبى محمد الأكفاني. و فيها عمّر فخر الدولة مسجد الشرقية و نصب عليه الشبابيك من الحديد.
و ممن توفى فيها من الأعيان
بكر بن شاذان بن بكر
أبو القاسم المقري الواعظ، سمع أبا بكر الشافعيّ، و جعفر الخلدى، و عنه الأزهري و الخلال، و كان ثقة أمينا صالحا عابدا زاهدا، له قيام ليل، و كريم أخلاق. مات فيها عن نيف و ثمانين سنة، و دفن بباب حرب
بدر بن حسنويه بن الحسين
أبو النجم الكردي، كان من خيار الملوك بناحية الدينور و همدان، و له سياسة و صدقة كثيرة، كنّاه القادر بأبي النجم، و لقبه ناصر الدولة، و عقد له لواء و أنفذه إليه، و كانت معاملاته و بلاده في غاية الأمن و الطيبة، بحيث إذا أعيى جمل أحد من المسافرين أو دابته عن حمله يتركها بما عليها في البرية فيرد عليه، و لو بعد حين لا ينقص منه شيء، و لما عاثت أمراؤه في الأرض فسادا عمل لهم ضيافة حسنة، فقدمها إليهم و لم يأتهم بخبز، فجلسوا ينتظرون الخبز، فلما استبطاؤه سألوا عنه فقال لهم:
إذا كنتم تهلكون الحرث و تظلمون الزراع، فمن أين تؤتون بخبز؟ ثم قال لهم: لا أسمع بأحد أفسد في الأرض بعد اليوم إلا أرقت دمه. و اجتاز مرة في بعض أسفاره برجل قد حمل حزمة حطب و هو