البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - ثم دخلت سنة ثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة
من جيشه خلق كثير، و أسر جماعة من أشراف أصحابه. ثم عاود تورون ما كان يعتريه من مرض الصرع فشغل بنفسه فرجع إلى بغداد.
و فيها قتل أبو عبد اللَّه البريدي أخاه أبا يوسف، و كان سبب ذلك أن البريدي قلّ ما في يده من الأموال، فكان يستقرض من أخيه أبى يوسف فيقرضه القليل، ثم يشنع عليه و يذم تصرفه بمال الجند، إلى أن مال الجند إلى أبى يوسف و أعرض غالبهم عن البريدي، فخشي أن يبايعوه فأرسل إليه طائفة من غلمانه فقتلوه غيلة، ثم انتقل إلى داره و أخذ جميع حواصله و أمواله، فكان قيمة ما أخذ منه من الأموال ما يقارب ثلاثمائة ألف ألف دينار. و لم يمتع بعده إلا ثمانية أشهر مرض فيها مرضا شديدا بالحمى الحادة، حتى كانت وفاته في شوال من هذه السنة، فقام مقامه أخوه أبو الحسين قبحه اللَّه فأساء السيرة في أصحابه، فثاروا عليه فلجأ إلى القرامطة قبحهم اللَّه فاستجار بهم فقام بالأمر من بعده أبو القاسم بن أبى عبد اللَّه البريدي في بلاد واسط و البصرة و تلك النواحي و من الأهواز و غيرها.
و أما الخليفة المتقى للَّه فإنه لما أقام عند أولاد حمدان بالموصل ظهر له منهم تضجر، و أنهم يرغبون في مفارقته. فكتب إلى تورون في الصلح فاجتمع تورون مع القضاة و الأعيان و قرءوا كتاب الخليفة و قابله بالسمع و الطاعة، و حلف له و وضع خطه بالإقرار له و لمن معه بالإكرام و الاحترام، فكان من الخليفة و دخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية.
و فيها أقبلت طائفة من الروس في البحر إلى نواحي أذربيجان فقصدوا بردعة فحاصروها، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم، و غنموا أموالهم و سبوا من استحسنوا من نسائهم، ثم مالوا إلى المراغة، فوجدوا بها ثمارا كثيرة، فأكلوا منها فأصابهم وباء شديد فمات أكثرهم، و كان إذا مات أحدهم دفنوا معه ثيابه و سلاحه، فأخذه المسلمون و أقبل إليهم المرزبان بن محمد فقتل منهم. و في ربيع الأول منها جاء الدمستق ملك الروم إلى رأس العين في ثمانين ألفا فدخلها و نهب ما فيها و قتل و سبي منهم نحوا من خمسة عشر ألفا، و أقام بها ثلاثة أيام، فقصدته الأعراب من كل وجه فقاتلوه قتالا عظيما حتى انجلى عنها. و في جمادى الأولى منها غلت الأسعار ببغداد جدا و كثرت الأمطار حتى تهدم البناء، و مات كثير من الناس تحت الهدم، و تعطلت أكثر الحمامات و المساجد من قلة الناس و نقصت قيمة العقار حتى بيع منه بالدرهم ما كان يساوى الدينار، و خلت الدور. و كان الدلالون يعطون من يسكنها أجرة ليحفظها من الداخلين إليها ليخربوها. و كثرت الكبسات من اللصوص بالليل، حتى كان الناس يتحارسون بالبوقات و الطبول، و كثرت الفتن من كل جهة ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا.
و في رمضان منها كانت وفاة أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن الجنابي الهجريّ القرمطى.