البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤ - و هذا ذكر شيء من ترجمته على سبيل الاختصار
عن البخاري و مسلم أيهما أعلم؟ فقال: كان البخاري عالما و مسلم عالما، فكررت ذلك عليه مرارا و هو يرد على هذا الجواب ثم قال: يا أبا عمرو قد يقع للبخاريّ الغلط في أهل الشام، و ذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها فربما ذكر الواحد منهم بكنيته و يذكره في موضع آخر باسمه و يتوهم أنهما اثنان، و أما مسلم فقل ما يقع له الغلط لأنه كتب المقاطيع و المراسيل. قال الخطيب: إنما قفا مسلم طريق البخاري و نظر في علمه و حذا حذوه. و لما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم و أدام الاختلاف إليه. و قد حدثني عبيد اللَّه بن أحمد بن عثمان الصير في قال سمعت أبا الحسن قطنى يقول:
لو لا البخاري ما ذهب مسلم و لا جاء قال الخطيب: و أخبرنى أبو بكر المنكدر ثنا محمد بن عبد اللَّه الحافظ حدثني أبو نصر بن محمد الزراد سمعت أبا حامد أحمد بن حمدان القصار سمعت مسلم بن الحجاج و جاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبّل بين عينيه و قال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين و سيد المحدثين و طبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ثنا مخلد بن يزيد الحراني حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في كفارة المجلس فما علته؟ فقال البخاري: هذا حديث مليح و لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، الا أنه معلول ثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب عن سهيل عن عون بن عبد اللَّه قوله قال البخاري: و هذا أولى فإنه لا يعرف لموسى بن عقبة سماع من سهيل. قلت: و قد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة و أوردت فيه طرقه و ألفاظه و متنه و علله. قال الخطيب: و قد كان مسلم يناضل عن البخاري. ثم ذكر ما وقع بين البخاري و محمد بن يحيى الذهلي في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور، و كيف نودي على البخاري بسبب ذلك بنيسابور، و أن الذهلي قال يوما لأهل مجلسه و فيهم مسلم بن الحجاج: ألا من كان يقول بقول البخاري في مسألة اللفظ بالقرآن فليعتزل مجلسنا. فنهض مسلم من فوره إلى منزله، و جمع ما كان سمعه من الذهلي جميعه و أرسله إليه و ترك الرواية عن الذهلي بالكلية فلم يرو عنه شيئا لا في صحيحه و لا في غيره، و استحكمت الوحشة بينهما. هذا و لم يترك البخاري محمد بن يحيى الذهلي بل روى عنه في صحيحه و غيره و عذره (رحمه اللَّه).
و قد ذكر الخطيب سبب موت مسلم (رحمه اللَّه) أنه عقد له مجلس للمذاكرة فسئل يوما عن حديث فلم يعرفه فانصرف إلى منزله فأوقد السراج و قال لأهله: لا يدخل أحد الليلة على، و قد أهديت له سلة من تمر فهي عنده يأكل تمرة و يكشف عن حديث ثم يأكل أخرى و يكشف عن آخر، فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح و قد أكل تلك السلة و هو لا يشعر. فحصل له بسبب ذلك ثقل و مرض من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد، و دفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى و ستين و مائتين بنيسابور، و كان مولده في السنة التي توفى فيها الشافعيّ، و هي سنة أربع و مائتين، فكان