البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - ثم دخلت سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة
ليس بعد اليمين لذة عيش* * * يا حياتي بانت يميني فبيني
و كان يبكى على يده كثيرا و يقول: كتبت بها القرآن مرتين، و خدمت بها ثلاثة من الخلفاء تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم ينشد:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا* * * فان البعض من بعض قريب
و قد مات عفا اللَّه عنه في محبسه هذا و دفن في دار السلطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحول إلى عنده فأجيب فنبشوه و دفنه ولده عنده في داره. ثم سألت زوجته المعروفة بالدينارية أن يدفن في دارها فأجيبت إلى ذلك فنبش و دفن عندها. فهذه ثلاث مرات. توفى و له من العمر ست و خمسون سنة.
أبو بكر ابن الأنباري
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة أبو بكر الأنباري، صاحب كتاب الوقف و الابتداء، و غيره من الكتب النافعة، و المصنفات الكثيرة. كان من بحور العلم في اللغة و العربية و التفسير و الحديث، و غير ذلك. سمع الكديمي و إسماعيل القاضي و ثعلبا و غيرهم، و كان ثقة صدوقا أديبا، دينا فاضلا من أهل السنة. كان من أعلم الناس بالنحو و الأدب، و أكثرهم حفظا له، و كان له من المحافيظ مجلدات كثيرة، أحمال جمال و كان لا يأكل إلا النقالى و لا يشرب ماء إلا قريب العصر، مراعاة لذهنه و حفظه، و يقال: إنه كان يحفظ مائة و عشرين تفسيرا، و حفظ تعبير الرؤيا في ليلة، و كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة، و كانت وفاته ليلة عيد النحر من هذه السنة.
أم عيسى بنت إبراهيم الحربي، كانت عالمة فاضلة، تفتي في الفقه. توفيت في رجب و دفنت إلى جانب أبيها (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة
في المنتصف من ربيع الأول كانت وفاة الخليفة الراضي باللَّه أمير المؤمنين أبى العباس أحمد بن المقتدر باللَّه جعفر بن المعتضد باللَّه أحمد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، استخلف بعد عمه القاهر لست خلون من جمادى الأولى سنة ثنتين و عشرين و ثلاثمائة. و أمه أم ولد رومية تسمى ظلوم، كان مولده في رجب سنة سبع و تسعين و مائتين، و كانت خلافته ست سنين و عشرة أشهر و عشرة أيام، و عمره يوم مات إحدى و ثلاثين سنة و عشرة أشهر. و كان أسمر رقيق السمرة ذرى اللون أسود الشعر سبطه، قصير القامة، نحيف الجسم، في وجهه طول، و في مقدم لحيته تمام، و في شعرها رقة. هكذا وصفه من شاهده. قال الخطيب البغدادي: كان للراضى فضائل كثيرة، و ختم الخلفاء في أمور عدة: منها أنه كان آخر خليفة له شعر، و آخرهم انفرد بتدبير الجيوش و الأموال، و آخر خليفة