البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - «ذكر خلافة المعتز باللَّه بن المتوكل على اللَّه بعد خلع المستعين نفسه»
الكعبة، و أخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبويّة فهرب منه نائبها أيضا على بن الحسين بن على بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكة في رجب فحصر أهلها حتى هلكوا جوعا و عطشا فبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، و اللحم الرطل بأربعة، و شربة الماء بثلاثة دراهم، و لقي منه أهل مكة كل بلاء، فترحل عنهم إلى جدة- بعد مقامه عليهم سبعة و خمسين يوما- فانتهب أموال التجار هنالك و أخذ المراكب و قطع الميرة عن أهل مكة ثم عاد إلى مكة لا جزاه اللَّه خيرا عن المسلمين. فلما كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارا و لا ليلا، و قتل من الحجيج ألفا و مائة، و سلبهم أموالهم و لم يقف بعرفة عامئذ سواه و من معه من الحرامية، لا تقبل اللَّه منهم صرفا و لا عدلا. و فيها وهن أمر الخلافة جدا. و فيها توفى من الأعيان إسحاق بن منصور الكوننج و حميد بن زنجويه و عمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي. و أبو البقى هشام بن عبد الملك اليزني
ثم دخلت سنة ثنتين و خمسين و مائتين
«ذكر خلافة المعتز باللَّه بن المتوكل على اللَّه بعد خلع المستعين نفسه»
استهلت هذه السنة و قد استقرت الخلافة باسم أبى عبد اللَّه محمد المعتز بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، و قيل إن اسم المعتز أحمد، و قيل الزبير، و هو الّذي عول عليه ابن عساكر و ترجمه في تاريخه. فلما خلع المستعين نفسه من الخلافة و بايع للمعتز دعا الخطباء يوم الجمعة رابع المحرم من هذه السنة بجوامع بغداد على المنابر للخليفة المعتز باللَّه، و انتقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو و عياله و ولده و جواريه، و وكل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، و أخذ من المستعين البردة و القضيب و الخاتم، و بعث بذلك إلى المعتز ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهر ثمين عنده يقال لأحدهما برج و للآخر جبل. فأرسلهما. و طلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرة فقيل له إنها وبيئة. فقال إن ترك الخلافة أو بأمنها. ثم أذن له في المسير إلى واسط فخرج و معه حرس يوصلونه إليها نحو من أربعمائة. و استوزر المعتز أحمد بن أبى إسرائيل و خلع عليه و ألبسه تاجا على رأسه. و لما تمهد أمر بغداد و استقرت البيعة للمعتز بها و دان له أهلها و قدمتها الميرة من كل جانب، و اتسع الناس في الأرزاق و الأطعمة، ركب أبو أحمد منها في يوم السبت لثنتى عشرة ليلة من المحرم إلى سامرا و شيعه ابن طاهر في وجوه الأمراء، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمس خلع و سيفا و رده من الطريق إلى بغداد. و قد ذكر ابن جرير مدائح الشعراء في المعتز و تشفيهم بخلع المستعين، فأكثر من ذلك جدا، فمن ذلك قول محمد بن مروان بن أبى الجنوب ابن مروان في مدح المعتز و ذم المستعين كما جرت به عادة الشعراء:
إن الأمور إلى المعتز قد رجعت* * * و المستعين إلى حالاته رجعا