البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و مائتين
موسى بن ارشناس ثلاثة آلاف مددا لأخيه أبى أحمد فوصلوا لليلة بقيت من ربيع الأول فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قطر بل، و أبو أحمد و أصحابه على باب الشماسية، و الحرب مستعرة و القتال كثير جدا، و القتل واقع. قال ابن جرير: و ذكر أن المعتز كتب إلى أخيه أبى أحمد يلومه على التقصير في قتال أهل بغداد فكتب إليه أبو أحمد:
لأمر المنايا علينا طريق* * * و للدهر فينا اتساع و ضيق
و أيامنا عبر للأنام* * * فمنها البكور و منها الطروق
و منها هنات تشيب الوليد* * * و يخذل فيها الصديق الصديق
و سور عريض له ذروة* * * تفوت العيون و بحر عميق
قتال مبيد و سيف عتيد* * * و خوف شديد و حصن وثيق
و طول صياح لداعي الصباح* * * السلاح السلاح فما يستفيق
فهذا طريح و هذا جريح* * * و هذا حريق و هذا غريق
و هذا قتيل و هذا تليل* * * و آخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب و ثم انتهاب* * * و دور خراب و كانت تروق
إذا ما سمونا إلى مسلك* * * وجدناه قد سد عنا الطريق
فباللَّه نبلغ ما نرتجيه* * * و باللَّه ندفع ما لا نطيق
قال ابن جرير: هذا الشعر ينشد لعلى بن أمية في فتنة المخلوع و المأمون، و قد استمرت الفتنة و القتال ببغداد بين أبى أحمد أخى المعتز و بين محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب المستعين. و البلد محصور و أهله في ضيق شديد جدا، بقية شهور هذه السنة، و قتل من الفريقين خلق كثير في وقعات متعددات، و أيام نحسات، فتارة يظهر أصحاب أبى أحمد و يأخذون بعض الأبواب فتحمل عليهم الطاهرية فيزيحونهم عنها، و يقتلون منهم خلقا ثم يتراجعون إلى مواقفهم و يصابرونهم مصابرة عظيمة.
لكن أهل بغداد كلما هم إلى ضعف بسبب قلة الميرة و الجلب إلى داخل البلد، ثم شاع بين العامة أن محمد بن عبد اللَّه بن طاهر يريد أن يخلع المستعين و يبايع للمعتز، و ذلك في أواخر السنة، فتنصل من ذلك و اعتذر إلى الخليفة و إلى العامة. و حلف بالأيمان الغليظة فلم تبرأ ساحته من ذلك حق البراءة عند العامة، و اجتمعت العامة و الغوغاء إلى دار ابن طاهر و الخليفة نازل بها، فسألوا أن يبرز لهم الخليفة ليروه و يسألوه عن ابن طاهر أ هو راض عنه أم لا. و ما زالت الضجة و الأصوات مرتفعة حتى برز لهم الخليفة من فوق المكان الّذي هم فيه و عليه السواد و من فوقه البردة النبويّة و بيده القضيب، و قال لهم فيما خاطبهم به: أقسمت عليكم بحق صاحب هذه البردة و القضيب لما رجعتم إلى منازلكم