البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة
و ممن توفى فيها الحافظ الكبير ابن الحافظ الكبير أبو محمد
عبد الرحمن
ابن أبى حاتم محمد ابن إدريس الرازيّ صاحب كتاب الجرح و التعديل، و هو من أجل الكتب المصنفة في هذا الشأن، و له التفسير الحافل الّذي اشتمل على النقل الكامل، الّذي يربو فيه على تفسير ابن جرير الطبري و غيره من المفسرين، إلى زماننا، و له كتاب العلل المصنفة المرتبة على أبواب الفقه، و غير ذلك من المصنفات النافعة، و كان من العبادة و الزهادة و الورع و الحفظ و الكرامات الكثيرة المشهورة على جانب كبير، (رحمه اللَّه). و قد صلى مرة فلما سلم قال له رجل من بعض من صلى معه: لقد أطلت بنا، و لقد سبحت في سجودي سبعين مرة. فقال عبد الرحمن: لكنى و اللَّه ما سبحت إلا ثلاثا، و قد انهدم سور بلد في بعض بلاد الثغور فقال عبد الرحمن بن أبى حاتم للناس: أما تبنوه؟ و قد حثهم على عمارته. فرأى عندهم تأخرا. فقال: من يبنيه و أضمن له على اللَّه الجنة؟ فقام رجل من التجار فقال: اكتب لي خطك بهذا الضمان و هذه ألف دينار لعمارته. فكتب له رقعة بذلك، فعمر ذلك السور ثم اتفق موت ذلك الرجل التاجر عما قريب، فلما حضر الناس جنازته طارت من كفنه رقعة فإذا هي التي كان كتبها له ابن أبى حاتم و إذا في ظهرها مكتوب: قد أمضينا لك هذا الضمان و لا تعد إلى ذلك. و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة
قال ابن الجوزي في منتظمه: في غرة المحرم منها ظهرت في الجو حمرة شديدة في ناحية الشمال و المغرب، و فيها أعمدة بيض عظيمة كثيرة العدد. و فيها وصل الخبر بأن ركن الدولة أبا على الحسن ابن بويه وصل إلى واسط فركب الخليفة و بجكم إلى حربه فخاف فانصرف راجعا إلى الأهواز و رجعا إلى بغداد. و فيها ملك ركن الدولة بن بويه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخى مرداويج، لقلة جيشه في هذا الحين. و في شعبان منها زادت دجلة زيادة عظيمة و انتشرت في الجانب الغربي، و سقطت دور كثيرة، و انبثق بثق من نواحي الأنبار فغرق قرى كثيرة، و هلك بسببه حيوان و سباع كثيرة في البرية. و فيها تزوج بجكم بسارة بنت عبد اللَّه البريدي. و محمد بن أحمد بن يعقوب الوزير يومئذ ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، و ضمن البريدي بلاد واسط و أعمالها بستمائة ألف دينار.
و فيها توفى قاضى القضاة أبو الحسن عمر بن محمد بن يوسف، و تولى مكانه ولده أبو نصر يوسف ابن عمر بن محمد بن يوسف و خلع عليه الخليفة الراضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها. و لما خرج أبو عبد اللَّه البريدي إلى واسط كتب إلى بجكم يحثه على الخروج إلى الجبل ليفتحها و يساعده هو على أخذ الأهواز من يد عماد الدولة بن بويه، و إنما كان مقصوده أن يبعده عن بغداد ليأخذها