البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - ثم دخلت سنة ست و ستين و ثلاثمائة
كافور الإخشيدي بعد حروب تقدم ذكرها، و استقرت أيدي الفاطميين عليها، فبنى بها القاهرة و بنى منزل الملك و هما القصران، ثم أقام جوهر الخطبة للمعز الفاطمي في سنة ثنتين و ستين و ثلاثمائة ثم قدم المعز بعد ذلك و معه جحافل من الجيوش، و أمراء من المغاربة و الأكابر، و حين نزل الاسكندرية تلقاه وجوه الناس فخطبهم بها خطبة بليغة ادعى فيها أنه ينصف المظلوم من الظالم، و افتخر فيها بنسبه و أن اللَّه قد رحم الأمة بهم، و هو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرا و باطنا كما قاله القاضي الباقلاني إن مذهبهم الكفر المحض، و اعتقادهم الرفض، و كذلك أهل دولته و من أطاعه و نصره و والاه، قبحهم اللَّه و إياه. و قد أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقى أبو بكر النابلسي، فقال له المعز بلغني عنك أنك قلت لو أن معى عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة و رميت المصريين بسهم، فقال ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله فقال: كيف قلت؟ قال: قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر. قال: و لم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة و قتلتم الصالحين و أطفأ ثم نور الإلهية، و ادعيتم ما ليس لكم. فأمر باشهاره في أول يوم ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه و هو يقرأ القرآن قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات (رحمه اللَّه). فكان يقال له الشهيد، و إليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، و لم تزل فيهم بقايا خير، و قد كان المعز قبحه اللَّه فيه شهامة و قوة حزم و شدة عزم، و له سياسة، و كان يظهر أنه يعدل و ينصر الحق و لكنه كان مع ذلك منجما يعتمد على حركات النجوم، قال له منجمه: إن عليك قطعا- أي خوفا- في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة. فعمل له سردابا و أحضر الأمراء و أوصاهم بولده نزار و لقبه العزيز و فوض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، و دخل المعز ذلك السرداب فتوارى فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجل الفارس منهم له عن فرسه و أومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) ثم برز إليهم بعد سنة و جلس في مقام الملك و حكم على عادته أياما، و لم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم، و نال رزقه المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة، و كانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر و بعد ما ملكها ثلاثا و عشرين سنة و خمسة أشهر و عشرة أيام، منها بمصر سنتان و تسعة أشهر و الباقي ببلاد المغرب، و جملة عمره كلها خمسة و أربعون سنة و ستة أشهر، لأنه ولد بإفريقية في عاشر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة و كانت وفاته بمصر في اليوم السابع عشر من ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة و هي هذه السنة.
ثم دخلت سنة ست و ستين و ثلاثمائة
فيها توفى ركن الدولة بن على بن بويه و قد جاوز التسعين سنة، و كانت أيام ولايته نيفا و أربعين