البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - ثم دخلت سنة سبع و سبعين و مائتين
اللَّه عز و جل لولدها بالخلاص من أيدي الفرنج، فذهبت المرأة فما كان إلا قليلا حتى جاءت الشيخ و ابنها معها فقالت: اسمع خبره يرحمك اللَّه. فقال: كيف كان أمرك؟ فقال. إني كنت فيمن نخدم الملك و نحن في القيود، فبينما أنا ذات يوم أمشى إذ سقط القيد من رجلي، فأقبل على الموكل بى فشتمني و قال لم أزلت القيد من رجليك؟ فقلت: لا و اللَّه ما شعرت به و لكنه سقط و لم أشعر به، فجاءوا بالحداد فأعادوه و أجادوه و شدوا مسماره و أبدوه، ثم قمت فسقط أيضا فأعادوه و أكدوه فسقط أيضا، فسألوا رهبانهم عن سبب ذلك فقالوا: له والدة؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها قد دعت لك و قد استجيب دعاؤها أطلقوه، فأطلقوني و خفرونى حتى وصلت إلى بلاد الإسلام. فسأله بقي بن مخلد عن الساعة التي سقط فيها القيد من رجليه فإذا هي الساعة التي دعا فيها اللَّه له ففرج عنه.
صاعد بن مخلد الكاتب كان كثير الصدقة و الصلاة و قد أثنى عليه أبو الفرج بن الجوزي و تكلم فيه ابن الأثير في كامله، و ذكر أنه كان فيه تيه و حمق، و قد يمكن الجمع بين القولين و الصفتين. ابن قتيبة و هو عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينَوَريّ ثم البغدادي، أحد العلماء و الأدباء و الحفاظ الأذكياء و قد تقدمت ترجمته، و كان ثقة نبيلا، و كان أهل العلم يتهمون من لم يكن في منزله شيء من تصانيفه، و كان سبب وفاته أنه أكل لقمة من هريسة فإذا هي حارة فصاح صيحة شديدة ثم أغمى عليه إلى وقت الظهر ثم أفاق ثم لم يزل يشهد أن لا إله إلا اللَّه إلى أن مات وقت السحر أول ليلة من رجب من هذه السنة، و قيل إنه توفى في سنة سبعين و مائتين، و الصحيح في هذه السنة.
عبد الملك بن محمد بن عبد اللَّه أبو قلابة الرياشي، أحد الحفاظ، كان يكنى بأبي محمد، و لكن غلب عليه لقب أبو قلابة، سمع يزيد بن هارون و روح بن عبادة و أبا داود الطيالسي و غيرهم، و عنه ابن صاعد و المحاملي و البخاري و أبو بكر الشافعيّ و غيرهم، و كان صدوقا عابدا يصلى في كل يوم أربعمائة ركعة، و روى من حفظه ستين ألف حديث غلط في بعضها على سبيل العمد، كانت وفاته في شوال من هذه السنة عن ست و ثمانين سنة.
و محمد بن أحمد بن أبى العوام. و محمد بن إسماعيل الصايغ. و يزيد بن عبد الصمد. و أبو الرداد المؤذن، و هو عبد اللَّه بن عبد السلام بن عبيد الرداد المؤذن صاحب المقياس بمصر، الّذي هو مسلّم إليه و إلى ذريته إلى يومنا هذا. قاله ابن خلكان و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة سبع و سبعين و مائتين
فيها خطب يا زمان نائب طرسوس لخمارويه، و ذلك أنه هاداه بذهب كثير و تحف هائلة. و فيها قدم جماعة من أصحاب خمارويه إلى بغداد. و فيها ولى المظالم ببغداد يوسف بن يعقوب و نودي في الناس: من كانت له مظلمة و لو عند الأمير الناصر لدين اللَّه الموفق، أو عند أحد من الناس فليحضر.