البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٥ - ذكر أشياء من حيل الحلاج
و روى الخطيب بسنده إليه أنه قال: علم الأولين و الآخرين مرجعه إلى أربع كلمات: حب الجليل و بغض القليل، و اتباع التنزيل، و خوف التحويل.
قلت: و قد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبع التنزيل و لم يبق على الاستقامة بل تحول عنها إلى الاعوجاج و البدعة و الضلالة، نسأل اللَّه العافية.
و قال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكيّ: أنه قال: كنت أماشى الحلاج في بعض أزقة مكة و كنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته. قال الخطيب:
و حدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول: الناس فيه- يعنى حسين بن منصور الحلاج- بين قبول و رد و لكن سمعت محمد بن يحيى الرازيّ يقول سمعت عمرو بن عثمان يلعنه و يقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي. فقلت له: أيش الّذي وجد الشيخ عليه؟
قال قرأت آية من كتاب اللَّه فقال: يمكنني أن أؤلف مثله و أتكلم به. قال أبو زرعة الطبري:
و سمعت أبا يعقوب الأقطع يقول: زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته و اجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر. قلت: كان تزويجه إياها بمكة، و هي أم الحسين بنت أبى يعقوب الأقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور، و قد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب. و ذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج و هو بمكة و هو يكتب شيئا في أوراق فقال له:
ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها، و أنكر على أبى يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته. و كتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتبا كثيرة يلعنه فيها و يحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا و شمالا، و جعل يظهر أنه يدعو إلى اللَّه و يستعين بأنواع من الحيل، و لم يزل ذلك دأبه و شأنه حتى أحل اللَّه به بأسه الّذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرع الّذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، و اللَّه أعدل من أن يسلطه على صديق، كيف و قد تهجم على القرآن العظيم، و قد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل، و قد قال تعالى (وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) و لا الحاد أعظم من هذا. و قد أشبه الحلاج كفار قريش في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم (وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)
ذكر أشياء من حيل الحلاج
روى الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه و أمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، و أن يظهر لهم العبادة و الصلاح و الزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه و أحبوه و اعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمى، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة