البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - ذكر أشياء من حيل الحلاج
الخير، إنه لا ينفنى شيء مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و هو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، و إنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، و صفته كذا و كذا. و قال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد و يظهر الصلاح و التنسك و يقرأ القرآن. فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه و أحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمى فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء، فقال: لهم: يا جماعة الخير هذا الّذي تفعلونه معى لا ينتج شيئا و أنا قد رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و هو يقول لي: إن عافيتك و شفاءك إنما هو على يدي القطب، و إنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، و كانوا أو لا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه و يكرمونه كان في الوقت الّذي ذكر لهم، و اتفق هو و الحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا و عليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد و لزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه و يتمسحون به، ثم جاءوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الّذي أخبرنى عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام، و أن شفائى على يديه، اذهبوا بى إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد اللَّه إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام. ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شيء و الناس حضور، و أمراء تلك البلاد و كبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة و كبروا اللَّه و سبحوه و عظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل و الزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه و يعظمونه و يودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم. فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، و إنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، و لعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان و أصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، و يحجون و يتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك. فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى: صدق الشيخ، قد رد اللَّه على بصرى و من اللَّه على بالعافية، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل اللَّه، و الحج إلى بيت اللَّه مع إخواننا الأبدال و الصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم و مكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب و الفضة، فلما اجتمع له ما أراد و دعهم و خرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال.