البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٨ - بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد
ابن عيسى ما يفعله هذا القرمطى في بلاد الإسلام، و ليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة و جيشه عنه، و عزل نفسه منها، فسعى فيها على بن مقلة الكاتب المشهور، فوليها بسفارة نصر الحاجب و الى عبد اللَّه البريدي- بالباء الموحدة- من البريد، و يقال اليزيدي لخدمة جده يزيد بن منصور الجهيرى. ثم جهز الخليفة جيشا كثيفا مع مؤنس الخادم فاقتتلوا مع القرامطة فقتلوا من القرامطة خلقا كثيرا، و أسروا منهم طائفة كثيرة من أشرافهم، و دخل بهم مؤنس الخادم بغداد و معه أعلام من أعلامهم منكسة مكتوب عليها (وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) الآية. ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، و طابت أنفس البغاددة، و انكسر القرامطة الذين كانوا قد نشئوا و فشوا بأرض العراق، و فوّض القرامطة أمرهم إلى رجل يقال له حريث بن مسعود، و دعوا إلى المهدي الّذي ظهر ببلاد المغرب جد الفاطميين، و هم أدعياء كذبة، كما قد ذكر ذلك غير واحد من العلماء.
كما سيأتي تفصيله و بيانه في موضعه. و فيها وقعت وحشة بين مؤنس الخادم و المقتدر، و سبب ذلك أن نازوكا أمير الشرطة وقع بينه و بين هارون بن عريب- و هو ابن خال المقتدر- فانتصر هارون على نازوك و شاع بين العامة أن هارون سيصير أمير الأمراء. فبلغ ذلك مؤنس الخادم و هو بالرقة فأسرع الأوبة إلى بغداد، و اجتمع بالخليفة فتصالحا، ثم إن الخليفة نقل هارون إلى دار الخلافة فقويت الوحشة بينهما، و انضم إلى مؤنس جماعة من الأمراء و ترددت الرسل بينهما، و انقضت هذه السنة و الأمر كذلك. و هذا كله من ضعف الأمور و اضطرابها و كثرة الفتن و انتشارها.
و فيها كان مقتل الحسين بن القاسم الداعي العلويّ صاحب الري على يد صاحب الديلم و سلطانهم مرداويح المجرم قبحه اللَّه.
و فيها توفى من الأعيان
بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد
أبو الحسن الزاهد، و يعرف بالحمال، و كانت له كرامات كثيرة، و له منزلة كبيرة عند الناس، و كان لا يقبل من السلطان شيئا، و قد أنكر يوما على ابن طولون شيئا من المنكرات و أمره بالمعروف، فأمر به فألقى بين يدي الأسد، فكان الأسد يشمه و يحجم عنه، فأمر برفعه من بين يديه و عظمه الناس جدا، و سأله بعض الناس عن حاله حين كان بين يدي الأسد فقال له: لم يكن على بأس. قد كنت أفكر في سؤر السباع و اختلاف العلماء فيه هل هو طاهر أم نجس. قالوا: و جاءه رجل فقال له:
إن لي على رجل مائة دينار، و قد ذهبت الوثيقة، و أنا أخشى أن ينكر الرجل، فأسألك أن تدعو لي بأن يرد اللَّه على الوثيقة. فقال بنان: إني رجل قد كبرت سنى ورق عظمي، و أنا أحب الحلواء، فاذهب فاشتر لي منها رطلا و أتنى به حتى أدعو لك. فذهب الرجل فاشترى الرطل ثم جاء به إليه ففتح الورقة التي فيها الحلواء فإذا هي حجته بالمائة دينار. فقال له: أ هذه حجتك؟ قال: نعم. قال: خذ