البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - ثم دخلت سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة
عن السرير و لفوه في كساء و حملوه إلى الخزانة بدار المملكة، و تشاغل الناس بالنهب و لم يدر أكثر الناس ما الخطب و ما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الّذي مسك، فنهبت الخزائن و الحواصل و القفصي من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان و القضاة و الشهود و جرت كائنة عظيمة جدا، و رجع بهاء الدولة إلى داره و كتب على الطائع كتابا بالخلع من الخلافة، و أشهد عليه الأشراف و غيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة و سلمها إلى القادر باللَّه، و نودي بذلك في الأسواق، و سبقت الديلم و الأتراك و طالبوا برسم البيعة، و راسلوا بهاء الدولة في ذلك و تطاول الأمر في يوم الجمعة، و لم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قالوا اللَّهمّ أصلح عبدك و خليفتك القادر باللَّه، ثم أرضوا وجوههم و أكابرهم و أخذت البيعة له و اتفقت الكلمة، و أمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني و الإناث و غيره إلى داره، و أبيحت للعامة و الخاصة، فقلعوا و شعثوا أبنيتها، هذا و الخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه، و لما رجع إلى بغداد ما نعته الديلم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، و جرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه و دخل بغداد، و كانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين. و لما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسا عاما إلى التهنئة و سماع المدائح و القصائد فيه، و ذلك في العشر الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة و فوض إليه ما وراء بابه، و كان الخليفة القادر باللَّه من خيار الخلفاء و سادات العلماء في ذلك الزمان، و كان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، و صنف قصيدة فيها فضائل الصحابة و غير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، و تجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، و كان ينشد هذه الأبيات يترنم بها و هي لسابق البربري:
سبق القضاء بكل ما هو كائن* * * و اللَّه يا هذا لرزقك ضامن
تعنى بما تكفى و تترك ما به* * * تعنى كأنك للحوادث آمن
أو ما ترى الدنيا و مصرع أهلها* * * فاعمل ليوم فراقها يا خائن
و اعلم بأنك لا أبا لك في الّذي* * * أصبحت تجمعه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أ تعمر منزلا* * * لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شيء أنت تعلم أنه* * * حق و أنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر من أتت* * * في نفسه يوما و لا تستأذن
و في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة- و هو يوم غدير خم- جرت فتنة بين الروافض و السنة و اقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، و استظهر أهل باب البصرة و حرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، و صلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم. و فيها ظهر أبو الفتوح الحسين بن جعفر