البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦١ - ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، و ما كان منهم إلى الحجيج
أصحابه، و أمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقّل في يده و قال: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود و أخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين و عشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لما رجع القرمطى إلى بلاده و معه الحجر الأسود و تبعه أمير مكة هو و أهل بيته و جنده و سأله و تشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، و بذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطى و قتل أكثر أهل بيته، و أهل مكة و جنده، و استمر ذاهبا إلى بلاده و معه الحجر و أموال الحجيج. و قد ألحد هذا للعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحد و لا يلحقه فيه، و سيجازيه على ذلك الّذي لا يعذب عذابه أحد، و لا يوثق وثاقه أحد. و إنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع أنهم كفار زنادقة، و قد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنة ببلاد إفريقية من أرض المغرب، و يلقب أميرهم بالمهديّ، و هو أبو محمد عبيد اللَّه بن ميمون القداح. و قد كان صباغا بسلمية، و كان يهوديا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر و غيرهم من الجهلة، و صارت له دولة، فملك مدينة سجلماسة، ثم ابتنى مدينة و سماها المهدية، و كان قرار ملكه بها، و كان هؤلاء القرامطة يراسلونه و يدعون إليه، و يترامون عليه، و يقال إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة و دولة لا حقيقة له.
و ذكر ابن الأثير أن المهدي هذا كتب إلى أبى طاهر يلومه على ما فعل بمكة حيث سلط الناس على الكلام فيهم، و انكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح، و أمره برد ما أخذه منها، و عوده إليها. فكتب إليه بالسمع و الطاعة، و أنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك.
و قد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة، فمكث في أيديهم مدة، ثم فرج اللَّه عنه، و كان يحكى عنهم عجائب من قلة عقولهم و عدم دينهم، و أن الّذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة و أشدها و كان يعربد عليه إذا سكر. فقال لي ذات ليلة و هو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت: لا أدرى.
فقال: كان سائسا. ثم قال: ما تقول في أبى بكر؟ فقلت: لا أدرى. فقال: كان ضعيفا مهينا. و كان عمر فظا غليظا. و كان عثمان جاهلا أحمق. و كان على ممخرقا ليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم، أما كان يمكنه أن يعلم هذا كلمة و هذا كلمة؟. ثم قال: هذا كله مخرقة. فلما كان من الغد قال: لا تخبر بهذا الّذي قلت لك أحدا. ذكره ابن الجوزي في منتظمه.
و روى عن بعضهم أنه قال: كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف، فحمل على