البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤١ - ذكر صفة مقتل الحلاج
النجاسة و لا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام و ليطف به كما يطاف بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعى بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، و يتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، و يعطى كل واحد منهم سبعة دراهم- أو قال ثلاثة، دراهم- فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. و إن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان. و من صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك. و أن من جاور بمقابر الشهداء و بمقابر قريش عشرة أيام يصلى و يدعو و يصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير و الملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. فقال له: كذبت يا حلال الدم، و قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، و ألح عليه و قدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة، و كتب من حضر خطوطهم فيها و أنفذها الوزير إلى المقتدر، و جعل الحلاج يقول لهم: ظهري حمى و دمي حرام، و ما يحل لكم أن تتأولوا على ما يبيحه، و اعتقادي الإسلام، و مذهبي السنة، و تفضيل أبو بكر و عمر و عثمان و على و طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمن ابن عوف و أبى عبيدة بن الجراح، ولى كتب في السنة موجودة في الوارقين فاللَّه اللَّه في دمي. فلا يلتفتون إليه و لا إلى شيء مما يقول. و جعل يكرر ذلك و هم يكتبون خطوطهم بما كان من الأمر، ورد الحلاج [إلى محبسه و تأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج] [١] قد اشتهر و لم يختلف فيه اثنان و قد افتتن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة. و ليضر به ألف سوط، فان مات و إلا ضربت عنقه. ففرح الوزير بذلك و طلب صاحب الشرطة فسلمه إليه و بعث معه طائفة من غلمانه يصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم. و ذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة، و هو راكب على بغل عليه إكاف و حوله جماعة من أعوان السياسة. على مثل شكله، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة، فذكر أنه بات يصلى تلك الليلة و يدعو دعاء كثيرا. قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا بكر الشاشي يقول قال أبو الحديد- يعنى المصري-: لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام يصلى من الليل فصلى ما شاء اللَّه، فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه و مد يده نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، فكان مما حفظت منه قوله: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدّى ما شئت من شأنك
[١] سقط من المصرية.