البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - و هذه ترجمة المعتضد
قتلتهم على القثاء؟ فقال: و اللَّه ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، و إنما كانوا لصوصا قد قتلوا و أخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم و أريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، و أردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض و يتعدوا على الناس و يكفوا عن الأذى.
ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم و خلع عليهم و ردهم إلى أرزاقهم.
قال ابن الجوزي: و خرج المعتضد يوما فعسكر بباب الشماسية و نهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئا، فأتى بأسود قد أخذ عذقا من بسر فتأمله طويلا ثم أمر بضرب عنقه، ثم التفت إلى الأمراء فقال: العامة ينكرون هذا و
يقولون إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا قطع في ثمر و لا كثر».
و لم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، و إني لم أقتل هذا على سرقته، و إنما هذا الأسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبى، و إنه تقاول هو و رجل من المسلمين فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبى دم الرجل المقتول تأليفا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لأقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل.
و قال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا محمد بن نعيم الضبيّ سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت أبا العباس بن سريج يقول سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد و على رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد و أنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلى فجلست ساعة فلما خلا قال لي: أيها القاضي و اللَّه ما حللت سراويلي على حرام قط. و روى البيهقي عن الحاكم عن حسان بن محمد عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت يوما على المعتضد فدفع إلى كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها له بعض الناس- فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق. فقال:
كيف؟ فقلت: إن من أباح المتعة لم يبيح الغناء، و من أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، و من جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر بتحريق ذلك الكتاب. و روى الخطيب بسنده عن صافى الجرمي الخادم قال: انتهى المعتضد و أنا بين يديه إلى منزل شعث و ابنه المقتدر جعفر جالس فيه و حوله نحو من عشرة من الوصائف، و الصبيان من أصحابه في سنة عنده، و بين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب، و كان العنب إذ ذاك عزيزا، و هو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة، فتركه المعتضد و جلس ناحية في بيت مهموما. فقلت له: مالك يا أمير المؤمنين؟
فقال: ويحك و اللَّه لو لا النار و العار لأقتلن هذا الغلام، فان في قتله صلاحا للأمة. فقلت: أعيذك باللَّه يا أمير المؤمنين من ذلك. فقال: ويحك يا صافى هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان، فان طباع الصبيان تأبى الكرم، و هذا في غاية الكرم، و إن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلا من