البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٠ - و هذه ترجمة المعتضد
يحصى. فسألته عن خبره و ذكرت له تعجبي منه و ألححت عليه فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا في جوارنا أمير تركي من أعالى الدولة، و هو شاب حسن، فمر به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام و عليها ثياب مرتفعة ذات قيمة، فقام إليها و هو سكران فتعلق بها يريدها على نفسها ليدخلها منزله، و هي تأبى عليه و تصيح بأعلى صوتها: يا مسلمين أنا امرأة ذات زوج، و هذا رجل يريدني على نفسي و يدخلني منزله، و قد حلف زوجي بالطلاق أن لا أبيت في غير منزله، و متى بت هاهنا طلقت منه و لحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام و لا تغسله المدامع. قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه و أردت خلاص المرأة من يديه فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، و غلب المرأة على نفسها و أدخلها منزله قهرا، فرجعت أنا فغسلت الدم عنى و عصبت رأسي و صليت بالناس العشاء ثم قلت للجماعة: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معى إليه لننكر عليه و تخلص المرأة منه، فقام الناس معى فهجمنا عليه داره فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي و الدبابيس يضربون الناس، و قصدني هو من بينهم فضربني ضربا شديدا مبرحا حتى أدمانى، و أخرجنا من منزله و نحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي و أنا لا أهتدى إلى الطريق من شدة الوجع و كثرة الدماء، فنمت على فراشي فلم يأخذنى نوم، و تحيرت ما ذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده في الليل لترجع فتبيت في منزلها حتى لا يقع على زوجها الطلاق، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فتذهب إلى منزل زوجها، فصعدت المنارة و جعلت انظر إلى باب داره و أنا أتكلم على عادتي قبل الأذان هل أرى المرأة قد خرجت ثم أذنت فلم تخرج، ثم صممت على أنه إن لم تخرج أقمت الصلاة حتى يتحقق الصباح، فبينا أنا انظر هل تخرج المرأة أم لا، إذ امتلأت الطريق فرسانا و رجالة و هم يقولون: أين الّذي أذن هذه الساعة؟ فقلت: ها أنا ذا، و أنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذونى و ذهبوا بى لا أملك من نفسي شيئا، حتى أدخلونى عليه، فلما رأيته جالسا في مقام الخلافة ارتعدت من الخوف و فزعت فزعا شديدا، فقال: ادن، فدنوت فقال لي: ليسكن روعك و ليهدأ قلبك. و ما زال يلاطفني حتى اطمأننت و ذهب خوفي، فقال: أنت الّذي أذنت هذه الساعة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: ما حملك على أن أذنت هذه الساعة، و قد بقي من الليل أكثر مما مضى منه؟ فتغر بذلك الصائم و المسافر و المصلى و غيرهم. فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبري؟ فقال: أنت آمن. فذكرت له القصة. قال: فغضب غضبا شديدا، و أمر بإحضار ذلك الأمير و المرأة من ساعته على أي حالة كانا فاحضرا سريعا فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات و معهن ثقة من جهته أيضا، و أمره أن يأمر زوجها بالعفو و الصفح عنها و الإحسان إليها، فإنها مكرهة و معذورة. ثم أقبل على ذلك الشاب