البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - و هذه ترجمة المعتضد
هو من ولدى، فسيلى عليهم المكتفي ثم لا تطول أيامه لعلته التي به- و هي داء الخنازير- ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه بهن، و قرب عهده من تشببه بهن، فتضيع أمور المسلمين و تعطل الثغور و تكثر الفتن و الهرج و الخوارج و الشرور. قال صافى: و اللَّه لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء.
و روى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال: كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة و نحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرح بنا فجئنا إليه فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتونى بملاحها و احتفظوا بالسفينة. فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا فأتينا به الخليفة فلما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، اصدقنى عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم و إلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتى الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها و عليها ثياب فاخرة و حلى كثير و جوهر، فطمعت فيها و احتلت عليها فشددت فاها و غرقتها و أخذت جميع ما كان عليها من الحلي و القماش، و خشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذونى. فقال:
و أين حليها؟ فقال: في صدر السفينة تحت البواري. فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي فجيء به فإذا هو حلى كثير يساوى أموالا كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الّذي غرق فيه المرأة، و أمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة. فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد و أزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي و غيره مما كان للمرأة، و لم يذهب منه شيء. فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس و اللحية و الثياب و هو ينادى: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه و قرره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم و سلبها، فأقم عليه الحد. و كان ما شاهدتم.
و قال جعيف السمرقندي الحاجب: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته و قد انقطع عن العسكر و ليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصد قصدنا فقال لي المعتضد: يا جعيف أ فيك خير اليوم؟ قلت: لا و اللَّه. قال: و لا أن تمسك فرسي و أنزل أنا؟ فقلت: بلى. قال: فنزل عن فرسه و غرز أطراف ثيابه في منطقته و استل سيفه و رمى بقرابه إلى ثم تقدم إلى الأسد فوثب الأسد عليه فضربه بالسيف فأطار يده فاشتغل الأسد بيده فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخر الأسد صريعا فدنا منه فمسح سيفه في صوفه ثم أقبل إلى فأغمد سيفه في قرابه، ثم ركب فرسه فذهبنا إلى العسكر. قال و صحبته إلى أن مات فما سمعته ذكر ذلك لأحد، فما أدرى من أي شيء أعجب؟ من