البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - ذكر صفة مقتل الحلاج
و مشيئتك، و أنت الّذي في السماء إله و في الأرض إله، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، و الصورة فيها الروح الناطقة بالعلم و البيان و القدرة، ثم إني أو عزت إلى شاهدك لأني في ذاتك الهوى كيف أنت إذا مثلت بذاتى عند حلول لذاتي، و دعوت إلى ذاتي بذاتى، و أبديت حقائق علومى و معجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتى عند التولي عن برياتي، إني احتضرت و قتلت و صلبت و أحرقت و احتملت سافيات الذاريات. و لججت في الجاريات، و أن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتى، لأعظم من الراسيات. ثم أنشأ يقول:
أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها* * * فيما ورا الحيث بل في شاهد القدم
أنعى إليك قلوبا طالما هطلت* * * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم
أنعى إليك لسان الحق منك و من* * * أودى و تذكاره في الوهم كالعدم
أنعى إليك بيانا يستكين له* * * أقوال كل فصيح مقول فهم
أنعى إليك إشارات العقول معا* * * لم يبق منهن إلا دارس العلم
أنعى و حبك أخلاقا لطائفة* * * كانت مطاياهم من مكمد الكظم
مضى الجميع فلا عين و لا أثر* * * مضى عاد و فقدان الأولى إرم
و خلفوا معشرا يحذون لبستهم* * * أعمى من البهم بل أعمى من النعم
قالوا: و لما أخرج الحلاج من المنزل الّذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد:
طلبت المستقر بكل أرض* * * فلم أر لي بأرض مستقرا
و ذقت من الزمان و ذاق منى* * * وجدت مذاقه حلوا و مرا
أطعت مطامعى فاستعبدتنى* * * و لو أنى قنعت لعشت حرا
و قيل: إنه قالها حين قدم إلى الجذع ليصلب، و المشهور الأول. فلما أخرجوه للصلب مشى إليه و هو يتبختر في مشيته و في رجليه ثلاثة عشر قيدا و جعل ينشد و يتمايل:
نديمى غير منسوب* * * إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشر* * * ب فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس* * * دعا بالنطع و السيف
كذا من يشرب الراح* * * مع التنين في الصيف
ثم قال: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ) ثم لم ينطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل. قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه و رجلاه و هو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، و لم يتغير لونه، و يقال إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد.
قال أبو عبد الرحمن: سمعت عبد اللَّه بن على يقول سمعت عيسى القصار يقول: آخر كلمة تكلم بها الحلاج حين قتل أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له. فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا