ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٠ - ٣٢٤ - فلا يشهد إلا إياه
لسألتك الطلاق، و لو علمه عبدك لسألك العتاق، و لو علمه أبوك لهان عليه الفراق. عبدي إن جئتني تقول: أسأت أقول: لك و أنا قد غفرت، و إن قلت:
تبت أقول: و أنا قبلت» انتهى. ثم ذكر مصداق هذا القسم الثالث فقال:
قل اللّه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.
قلت: المراد بالقول في هذا المقام القول القلبي أي: اذكر اللّه على الأشياء كلها تفن و لم يبق إلا مولاها، ثم اترك الناس في وهمهم يلعبون، و من جملة الأشياء النعم التي يتجلى بها، فإذا ذكر اللّه عليها غاب في شهوده عنها، و استغنى به عن كل ما سواه. قال الشبلي رضي اللّه تعالى عنه: الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة.
و قال أبو محمد الجريري رضي اللّه تعالى عنه: من رأى النعم و لم ير المنعم فقد حجب عن الشكر، و من رأى المنعم بغيبة النعم فقد شكره، انتهى. تنبيه: كثيرا ما يستدل الصوفية بهذه الآية على الانقطاع إلى اللّه و الغيبة عما سواه، و هو تفسير إشارة لا تفسير معنى اللفظ، لأنها نزلت في الرد على اليهود حيث قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١]، فقال لهم الحق تعالى:
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى [الأنعام: ٩١]، فلما لم يجيبوا قال اللّه تعالى لنبيه: قل اللّه، أي: قل لهم أنزله اللّه، ثم لا تجادلهم، بل ذرهم في خوضهم يلعبون، و الصوفية رضي اللّه عنهم يقرون الظاهر على ظاهره و يقتبسون إشارات خفية، لا يعرف مقصودهم غيرهم، و لذلك رد عليهم بعض المفسرين حيث لم يعرف قصدهم: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا [البقرة: ٦٠]، و أما ذكر هذا الاسم باللسان مجردا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها الجواز مطلقا. و الثاني الكراهة مطلقا، و الثالث التفصيل، يجوز لأهل النهايات دون أهل البدايات، و المشهور الأول، و عليه طريق الشاذلية، و من تعلق بهم، و اللّه تعالى أعلم. و لما استدل بما في كتابنا ذكر ما في كتاب من قبلنا، فقال: