ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٧٤ - ٢٤٣ - ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا و يطلب منه غرضا
أنعم عليك أولا بالإيجاد، و ثانيا بالأمداد، و أعطاك كل ما تريد، و ملكك الكون كله تتصرف فيه كما تريد، قال تعالى: وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: ٣٤]، خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: ٢٩]، و قال: فهذا سبب محبة العوام. و أما محبة الخواص: فهي ناشئة عن شهود جماله و بهائه، فغابوا في شهود جماله، و تاهوا في حضرة بهائه، و أنشدوا:
|
يا ساقي القوم من شذاه |
الكلّ لما سقيت تاهوا |
|
|
غابوا و بالسكر فيك طابوا |
و صرّحوا بالهوى و فاهوا |
|
فهؤلاء باعوا أرواحهم في طلب مولاهم، ثم استقلوا ما باعوا، و استحيوا مما بذلوا لقلة ما أعطوا في جانب ما طلبوا، و في ذلك يقول سلطان العشاق ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه:
|
لو أنّ روحي في يدي و وهبتها |
لمبشّري بقدومكم لم أنصف |
|
|
ما لي سوى روحي و باذل روحه |
في حبّ من يهواه ليس بمسرف |
|
|
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني |
يا خيبة المسعى إذا لم تسعف |
|
قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه تعالى عنه: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببته حتى لا يبقى لك منه شيء. و قال أبو يعقوب السوسي: حقيقة المحبة أن ينسى حظه من اللّه، و ينسى حوائجه إليه. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه المحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، و لا مشيئة له مع مشيئته. و قيل: أول ما يقول اللّه للعبد: اطلب العافية و الجنة و الأعمال و غير ذلك، فإن قال لا، ما أريد إلا أنت، قال له: من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ و رفع الحدوث، و إثبات القدم، و ذلك يوجب له العدم، و في معنى ذلك قيل:
|
من لم يكن بك فانيا عن حظّه |
و عن الغنى و الأنس بالأحباب |
|
|
فلأنه بين المنازل واقف |
لمنال حظّ أو لحسن مآب |
|
و بالجملة: فأمر المحبة كبير، و بحرها خطير، و في ذلك قالوا: ما خاضوا بحر الرباح حتى خاضوا بحر الخسارة، لا تنال إلا بذبح النفوس، و ترك الفلوس: