ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٩٣ - ٢٠ - ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا و نادته هو اتف الحقيقة، الذي تطلب أمامك، و لا تبرجت ظواهر المكونات إلا و نادته حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر
تطلب أمامك، و إذا وصل إلى البقاء نادته هواتف العلوم الغيبية وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]، و قد قال ٧: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك[١]». أو تقول: إذا كشف للمريد عن الفناء في الاسم و ذاق حلاوة العمل، و الذكر و أرادت همته أن تقف معها، نادته هواتف حقائق الفناء في الذات الذي تطلب أمامك، فإذا ترقى إلى مقام الفناء في الذات و ذاق حلاوته، و لم يتمكن و قنع بذلك، و أرادت همته أن تقف مع ذلك، نادته هواتف حقيقة التمكين الذي تطلب أمامك، و إذا تمكن و لم يطلب زيادة الترقي نادته هواتف الترقي الذي تطلب أمامك، و هكذا كل مقام ينادي على ما قبله: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ [الأحزاب: ١٣]، و إذا «تبرجت» أي ظهرت بزينتها و حللها للسالك أو للعارف ظواهر المكونات بخرق عوائدها، و انقيادها له و تصرفه فيها بهمته، كالمشي على الماء و الطيران في الهواء و نبع الماء و جلب الطعام و غير ذلك من الكرامات الحسية، و أرادت همة السالك أن تقف مع ظواهرها، و تشتغل بحلاوة حسها، نادته هواتف المعاني الباطنة[٢]: إنما نحن فتنة لك نختبرك، هل تقنع بها دون معرفة مالكها و منشئها المتجلي فيها؟ أو تعرض عنها و تنفذ إلى نور معانيها و شهود مالكها و مجريها؟ لا تكفر و تجحد المتجلي بها، فتنكره فتكون من الجاهلين. و قد ضرب الساحلي في البغية مثلا لهذه المقامات و السير فيها، فقال مثل ذلك كملك ظهر بالمشرق مثلا و أرسل لنا رسلا بكتاب من عنده، فقرءوا علينا كتاب الملك، و شوقونا إليه غاية التشويق بذكر كرمه و محاسنه، فمن الناس من أعرض عن طاعته، و الانقياد إليه و هم الكفار، و من الناس من قبل و آمن و لم يقدر على النهوض إلى حضرة الملك، و هم عوام المسلمين ضعفاء المحبة و اليقين، و من الناس من تشوق للملك و نهض إلى حضرته،
[١] - رواه مسلم( ١/ ٣٥٢).
[٢] - الذي في الأصل: الباطنية.