ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٨٨ - ١٨ - إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفوس
فإذا نظرت في أحاديث الذكر. قلت: لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث الجهاد. قلت: لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث فضل العلم. قلت: لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث الزهد و التجريد من أسباب الدنيا، قلت:
لا أفضل منه و إذا نظرت في أحاديث الكسب و الخدمة على العيال كذلك، فكل حكمة رغّب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم فيها حتى تقول: لا أفضل منها، تطييبا لخاطر أهلها ليكونوا فيها على بينة من ربهم، و لم يأمرهم ٧ بالانتقال عنها، إذ مراد اللّه منهم هو تلك الحكمة، فأقرهم ٧ عليها و رغّبهم فيها حتى يظن من يسمع أحاديثها أنه لا أفضل منها، و هو كذلك إذ لا أفضل منها في حق أهلها. و الحاصل: أن العارف لا ينكر شيئا و لا يجهل شيئا. و قد قال بعض العارفين: ليس في الإمكان أبدع مما كان و تأويله: أن ما سبق في علم اللّه يكون لا يمكن غيره، فلا أبدع منه و سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر الأدب الثاني من آداب الحضرة القدسية و هي ترك الرعونات البشرية فقال:
١٨- إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النّفوس.
الإحالة على الشيء هو: تسليطه و إغراؤه عليه، و المراد هنا توقف الأمر عليه بحيث لا يتوجه له حتى يتيسر وجوده، و الفراغ من الشيء: خلوه منه، و فراغ القلب: خلوه مما يشغله، و فراغ الجوارح: خلوها من الأشغال، و الرعونة نوع من الحمق. [قلت:[١]] من آداب العارف أن يكون كامل العقل ثاقب الذهن، و من علامة العقل انتهاز الفرصة في العمل، و مبادرة العمر من غير تسويف و لا أمل إذ ما فات منه لا عوض له، و ما حصل لا قيمة له. و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «ألا و إنّ من علامة العقل التّجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التّزوّد لسكنى القبور
[١] - ما بين[] سقط من المطبوعة.