ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٧٢ - ١٤ - الكون كله ظلمة، و إنما أناره ظهور الحق فيه
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت شيخي أبا سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه يقول: إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، و رجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما. قال أحمد بن حنبل: صدقت يا أحمد و صدق شيخك ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب إليّ من هذه، من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم، و قيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه: كيف الطريق إلى التحقيق؟ قال: بتوبة تزيل الإصرار، و خوف يقطع التسويف، و رجاء يبعث على مسالك العمل، و إهانة النفس بقربها من الأجل و بعدها من الأمل. فقيل له: بماذا يصل إلى هذا؟ فقال: بقلب مفرد فيه توحيد مجرد انتهى. فإذا انفرد القلب باللّه و تخلص مما سواه فهم دقائق التوحيد و غوامضه التي لا يمكن التعبير عنها، و إنما هي رموز و إشارات لا يفهمها إلا أهلها و لا تفشى إلا لهم، و قليل ما هم و من أفشى شيئا من أسرارها مع غير أهلها، فقد أباح دمه و تعرض لقتل نفسه كما قال أبو مدين رضي اللّه تعالى عنه:
|
و في السرّ أسرار دقاق لطيفة |
تراق دمانا جهرة لو بها بحنا |
|
و قال آخر:
|
و لي حبيب عزيز لا أبوح به |
أخشى فضيحة وجهي يوم ألقاه |
|
و هذه الأسرار هي أسرار الذات و أنوار الصفات، التي تجلى الحق بها في مظهر[١] الأكوان و إلى ذلك أشار بقوله:
١٤- الكون كلّه ظلمة، و إنّما أناره ظهور الحقّ فيه.
الكون: ما كونته القدرة و أظهرته للعيان، و الظلمة: ضد النور و هي عدمية و النور وجودي، و أناره أي صيره نورا، و ظهور الحق: تجليه. قلت: الكون من حيث كونيته، و ظهور حسه كله ظلمة لأنه حجاب لمن وقف مع ظاهره عن
[١] - في الأصل: مظاهر.