ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٠٤ - ٤١٨ - إلهي كيف لا أفتقر إليك و أنت الذي في الفقر أقمتني
ذليلا له، و إليه أشار في المناجاة الحادية و الثلاثين بقوله:
٤١٦- إلهي كيف أستعزّ و في الذلة أرعزتني.
أي كيف استعز عليك و أنت في ذل العبودية أركزتني؟ أي أقررتني و أقمتني.
٤١٧- أم كيف لا أستعزّ و إليك نسبتني.
أي أم كيف لا أستعز في قلبي و روحي و سري و إليك نسبتي لما أودعت في قلبي من سر الخصوصية و نور المعرفة و قوة الحرية، فقلت: يا عبدي و يا وليي، و لا شك أن هذه النسبة توجب الافتخار على الوجود، و التيه على كل موجود، فذل العارف يرجع إلى ظاهره عبودية، و عزه يرجع إلى باطنه حرية بما شهد من أنوار الربوبية، و إليه أشار بعضهم بقوله:
|
نحن إن كنّا به تهنا دلالا |
على سائر الحرائر و العبيد |
|
|
و إن نحن رجعنا إلينا |
عطّل ذلّنا ذلّ اليهود |
|
قال بعضهم: رأيت ذل كل ذي ذل فزاد ذلي على ذلهم، و نظرت في عز كل ذي عز فزاد عزي على عزهم انتهى. و قال الشبلي رضي اللّه تعالى عنه: لقد ذللت حتى عز في ذلتي كل ذي ذل، و عززت حتى ما تعزز أحد إلا بي و من به تعززت. ثم إن الفقر أخو الذل، و لذلك قرنه به في المناجاة الثانية و الثلاثين فقال:
٤١٨- إلهي كيف لا أفتقر إليك و أنت الذي في الفقر أقمتني.
لأن أنفاسي بيدك، فأنا فقير إليك في كل لحظة في إيجادي و امدادي. قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥]. و هذا هو الفقر إلى نعمة الإيجاد؛ ثم قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦]. و هذا هو الفقر إلى نعمة الأمداد.