ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٠٢ - ٤١٣ - و قد أوقفني علمي بكرمك عليك
كلاما هذا معناه. و الحاصل: أن الحق تعالى غيور لا يحب قلب عبده أن يركن إلى غيره، و هذا من كرمه تعالى و إحسانه إلى عباده، و لذلك قال:
٤١٣- و قد أوقفني علمي بكرمك عليك.
قلت: لما دفعته العوالم إليه لم يجد كريما سواه، فأوقفه كرمه على بابه، و لاذ بجانبنا و الكريم لا تتخطاه الآمال. قيل: معني كرم اللّه إحسانه لعباده، و قيل:
الذي لا يدع حاجتهم لغيره، و قيل الذي يعطي قبل السؤال. قال الجنيد: الكريم الذي لا يحوج إلى السؤال. و قال المحاسبي: الذي لا يبالي من أعطى و لا كم أعطى. و قيل: إن من فهم كرم اللّه تعالى لم يجزع من سوء قضاء، لأنه يرى المصيبة نعمة مستورة عن إدراك الخلق، كما قال سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه: ما أصابني اللّه بمصية إلا رأيت للّه فيها ثلاث نعم: الأولي: حيث لم تكن في ديني. الثانية: حيث لم تكن أعظم مما وقعت. الثالثة: أن الخطايا تكفر بها، فأنا أشكر اللّه عليها انتهى. و لهذا قالوا: ليس العجب ممن يلتذ بالنعيم، إنما العجب ممن يلتذ بالعذاب الأليم، و ذلك لا يكون إلا بخرق عادة النفس حتى تلتذ بما يتألم به الناس، كما قال القائل:
|
أريدك لا أريدك للثّواب |
و لكنّي أريدك للعقاب |
|
|
و كلّ مآربي قد نلت منها |
سوى ملذوذ وجدي بالعذاب |
|
و قال آخر:
|
إذا كانت الأقدار من مالك الملك |
فسيّان عندي ما يسرّ و ما يبكي |
|
و الحاصل: أن المحبة إذا قويت غيبت المحب عن الآلام و إلا فهي ناقصة و منشأ المحبة شهود الكرم كما تقدم، و من وقف بباب كرم مولاه لا يخيب أمله و مناه، كما أبان ذلك في المناجاة الموفية ثلاثين بقوله: