ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٠٠ - ٤١٠ - و اجذبني بمنتك حتى أقبل عليك
فقد وهبت لنا النعم، و أمرتنا بالسخاء و الكرم، و وفقتنا لعطائها، و وعدتنا بالنعيم الجزيل عليها، فلله ما أعطى و له ما أخذ. فإذا عرف العبد هذا لم تبق له وسيلة يتوسل بها إلا فضل اللّه و كرمه. و في مناجاة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه، يا بادئ العارفين بما فيه عرفوه، يا موفق العابدين لصالح ما عملوه، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك، من ذا الذي يذكرك إلا بفضلك، و استقراض الرب من عبده ما وهبه له غاية في ترفيعه لقدره و إبانته لشرفه، و وعده مع ذلك جزيل الثواب نهاية في إكرامه له و تفضله عليه. و قال بعضهم: ملكك ثم اشترى منك ما ملكك، ليثبت لك معه نسبة، ثم استقرض منك ما اشتراه، ثم وعدك عليه من العوض أضعافا، بين فيه أن نعمه و عطاياه بعيدتان أن تكونا مشوبتين بالعلل انتهى. قال ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه: و لما بين أن طلب الحق سابق على طلب العبد طلب منه أن يطلبه ليتحقق منه الطلب، فقال في المناجاة الثامنة و العشرين:
٤٠٩- إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك.
أي أطلبني برحمتك الأزلية حتى أطلبك و أصل إليك، فإن الطلب سابق الوصول، و هذه طريقة السلوك. ثم أشار إلى طريق الجذب و العناية فقال:
٤١٠- و اجذبني بمنتك حتى أقبل عليك
قلت: و لو عكس لكان أحسن؛ فيقول اطلبني برحمتك حتى أقبل عليك، و اجذبني بمنتك حتى أصل إليك فإن الجذب هو الاختطاف من شهود الأكوان إلى شهود المكوّن، و الغالب أن يكون بعد التوجه و الطلب و المجاهدة و التعب، و قد يجذب أولا ثم يرد إلى السلوك، و الأول أكمل. ثم إذا حصل طلب الرب لعبده حتى وصل إليه لا ينقطع عنه خوفه و رجاؤه، كما أبان ذلك في المناجاة التاسعة و العشرين بقوله: