ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٩ - ٣٦٧ - إلهي أغنني بتدبيرك عن تدبيري؛ و باختيارك عن اختياري، و أوقفني على مراكز اضطراري
و سلم قال: «المرء مع من أحبّ[١]». و سأل جماعة من المشايخ الجنيد رضي اللّه تعالى عنه عن المحبة؟ فبكى و قال: كيف أصف عبدا ذاهبا عن نفسه، متصلا بذكر ربه، قائما بأداء حقوقه، ناظرا إليه بعين قلبه، قد أحرق قلبه نار هيبته، وصفا شربه من كأس وده، و انكشف له الجبار من أستار غيبه؟ فإن تكلم فباللّه، و إن نطق فمن اللّه، و إن تحرك فبأمر اللّه، و إن سكن فمع اللّه، و هو باللّه و للّه و مع اللّه. انتهى. فقالوا: ما على هذا مزيد يا تاج العارفين، و هذا الوصف صادق بأهل السلوك و الجذب، و اللّه تعالى أعلم. و لا شك أن من بلغ هذا المقام، و رسخت المحبة و المعرفة في قلبه على التمام، لم يبق له مع محبوبه تدبير و لا اختيار، و لا تشوّق و لا انتظار، كما أبان ذلك في المناجاة الرابعة و العشرين بقوله:
٣٦٧- إلهي أغنني بتدبيرك عن تدبيري؛ و باختيارك عن اختياري، و أوقفني على مراكز اضطراري.
قلت: الاستغناء بتدبير اللّه عن تدبير النفس، و باختيار الحق عن اختيار العبد. إنما يكون بعد الغيبة عن النفس بشهود مدبر الأمور و المتصرف فيها، و هو الفاعل المختار الواحد القهار، لأنه هو المنفرد بالتدبير و الاختيار، و المشيئة و الاقتدار. و أما قبل الغيبة عنها بمعرفة سيرها فلا يتخلص العبد من كدر التدبير، و ظلمة التكدير، و لذلك طلب الشيخ أن يغيبه اللّه بمعرفته حتى تجتمع همومه و قصوده، و إرادته و اختياراته في هم واحد و هو شهود محبوبه، كما قال القائل:
|
كانت لقلبي أهواء مفرّقة |
فاستجمعت مذ أرتك العين أهوائي |
|
|
فصار يحسدني من كنت أحسده |
و صرت مولى الورى مذ صرت مولائي |
|
|
تركت للنّاس دنياهم و دينهم |
شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي |
|
[١] - رواه البخاري( ٥/ ٢٢٨٣)، و مسلم( ٤/ ٢٠٣٤).