ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٧ - ٣٦٦ - إلهي حققني بحقائق أهل القرب، و اسلك بي مسالك أهل الجذب
و خاضوا في بحار العلوم بالفهم لطلب الزيادة، فانكشف لهم من ذخائر خزائن الغيب تحت كل حرف من كتاب اللّه و آية من كلام اللّه عجائب الإدراكات الوهبية، فنطقوا بالحكمة البالغة و الألفاظ السابغة. أولئك حزب اللّه، أولئك حزب اللّه، أولئك حزب اللّه. و قال بعض التابعين: أسرار اللّه تعالى لا يبديها إلا لأمناء أوليائه من غير سماع و لا دراسة. و كان الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه و لم يشاركونا فيما نحن فيه. و كان أكثر كلامه في العقل الأكبر، و الاسم الأعظم، و شعبه الأربع، و دوائر الأولياء، و مقامات الموقنين، و الأملاك المقربين، و علوم الأسرار، و أمداد الأذكار، و يوم المقادير، و شأن التدبير، و علم البدء، و علم المشيئة، و شأن القبضة، و رجال الغيب، و علوم الأفراد، و أخبار القيامة، و هذا كله من العلم المخزون. و أما الصون الذي طلب، فهو صيانة من رؤية الأغيار، أو الوقوف مع الأنوار، دون معرفة الواحد القهار، و اسمه المصون هو اسم اللّه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب و إذا سئل به أعطى. و سره هو ظهور تصرفه فيما طلب به، و اللّه تعالى أعلم. ثم إذا تحقق الصون من الأغيار دخل القلب في حضرة الأسرار، و هي حضرة المقربين من السالكين و المجذوبين؛ كما أبان ذلك في المناجاة الثالثة و العشرين بقوله:
٣٦٦- إلهي حققني بحقائق أهل القرب، و اسلك بي مسالك أهل الجذب.
قلت: الحقائق جمع حقيقة، و هي إدراك معرفة الأشياء على ما هي عليه بالأصالة، و حقائق أهل القرب هي علومهم و معارفهم و أذواقهم و كشوفاتهم، و أهل القرب هم المقرّبون، سواء [أكانوا] من أهل المراقبة الكاملة [أم] المشاهدة [أم] المكالمة، فالقرب يتفاوت بتفاوت السير و التصفية؛ فيكون أولا مراقبة، ثم شهودا و وصولا، ثم محوا أو اضمحلالا، ثم بقاء و تنزلا، و هذا يكون