ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٦ - ٣٦٥ - إلهي علمني من علمك المخزون، و صني بسر اسمك المصون
و قال أحمد بن أبي الحواري رضي اللّه تعالى عنه: لا دليل على اللّه سواه، و إنما يطلب العلم لأدب الخدمة انتهى. و كما لا دليل عليه غيره كذلك لا هادي إليه سواه، كما قال: فاهدني بنورك إليك: أي اهدني بنور التوجه في حالة سيري إليك، و بنور المواجهة بعد وصولي إليك، و أقمني بصدق العبودية بين يديك حتى نتحقق بالوصول إليك، فنرجع إلى رسم العبودية في عين شهود أنوار الربوبية: وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: ١٠٥]، هنالك تفيض العلوم اللدنية و الأسرار الربانية، كما أبان ذلك بقوله في المناجاة الثانية و العشرين:
٣٦٥- إلهي علمني من علمك المخزون، و صني بسر اسمك المصون.
قلت: العلم المخزون هو العلم الموهوب الذي يفيض على القلوب من حضرة علام الغيوب، لا ينال بحيلة و لا اكتساب، و لا يؤخذ من دفتر و لا كتاب، و إنما يعطي من حضرة الكمال مع حكمة صحبة الرجال أو بمحض الفضل و النوال.
و في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه تعالى، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرّة باللّه[١]» انتهي. و هي أسرار الربوبية التي أخفاها اللّه عن خلقه، و لم يطلع عليها إلا خواص أوليائه، فإذا نطقوا بها مع غير أهلها ردوا عليهم، و ربما أباحوا دماءهم. و منها الاطلاع على أسرار القدر و عجائب المغيبات. و منها الاطلاع على مفاتح العلوم و مخازن الفهوم، فيستخرجون بنتائج أفكارهم من درر الحكم و يواقيت العلم، ما تكلّ عنه الألسن، و تعجز عن حمله العقول. قال أبو بكر الواسطى في قوله تعالى: وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ [آل عمران: ٧] هم الذين رسخت أرواحهم في غيب الغيب و في سر السر فعرّفهم ما عرّفهم
[١] - رواه الديلمي في الفردوس( ١/ ٢١٠).