ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٨٢ - ٣٦٣ - إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليها بكسوة الأنوار و هداية الاستبصار، حتى أرجع إليك منها، كما دخلت عليك منها مصون السر عن النظر إليها، مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير
و قولها (فشغلى بذكرك عمن سواك) من باب التعبير بالمسبب عن السبب و الأصل؛ فثمرته شغلى بذكرك إلخ. و قولها أيضا: (فكشفك للحجب حتى أراك) من باب التعبير بالسبب عن المسبب عكس ما قبله، و الأصل فسببه و منشؤه كشف الحجاب حتى رأيتك بعين قلبي. و قولها (فلا الحمد إلخ) إخبار منها بأن الحبين معا منه و إليه في الحقيقة لا كسب لها في ذلك و إدراك التفاوت بين ما تؤثره شربة المحبة الناشئة عن شهود الإحسان، و ما تؤثره شربة المحبة الناشئة عن شهود الجمال، و نعوت الكمال، و أن أثر الثانية أقوى من أثر الأولى، بل لا نسبة بينهما ضروري عن كل ذائق انتهى قاله الفاسي في شرح الرائية.
فقول الشيخ رضي اللّه تعالى عنه: لم تجعل له من حبك نصيبا؛ يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل و المفعول. و الأول أبلغ، لأن محبة اللّه لعبده أعظم، لأنها أصل محبة العبد لمولاه قال تعالى: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، فمن أعطاه اللّه تعالى من حبه المذكور نصيبا، فقد حاز ربح الدارين و فاز بقرة العين، و من حرمه ذلك فقد خسرت صفقته و بان غبنه و خيبته، نسأل اللّه منته و رحمته.
قال زيد بن أسلم رضي اللّه تعالى عنه: إن اللّه عز و جلّ ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له: اصنع ما شئت فقد غفرت لك. انتهى من ابن عباد. و لما كانت نهاية المحبة الفناء في المحبوب، و نهاية الفناء البقاء، و هو الرجوع إلى الأثر أشار إلى ذلك الشيخ فقال في المناجاة الموفية عشرين:
٣٦٣- إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليها بكسوة الأنوار و هداية الاستبصار، حتى أرجع إليك منها، كما دخلت عليك منها مصون السر عن النظر إليها، مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير.
قلت: الرجوع إلى الآثار: هو النزول من عش الحضرة التي هي الإغراق في