ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧٩ - ٣٦١ - إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟
لشيخه: يا أستاذ أين اللّه؟ فقال له: أسحقك اللّه أتطلب مع العين أين؟ و قال رجل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه يا أبا القاسم هل رأيتم ربكم حين عبدتموه، أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم؟ فقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: أيها السائل ما كنا لنعبد ربا لا نراه و ما كنا بالذي تراه أعيننا فنشبهه، و ما كنا بالذي نجهله، فلا ننزهه فقال له الرجل: فكيف رأيتموه؟ فقال له: الكيفية معلومة في حق البشر مجهولة في حق الرب لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان، و لكن تعرفه القلوب بحقائق الإيمان، ثم تترقى من المعرفة إلى الرؤية بمشاهدة نور الامتنان، فهو سبحانه مرئي بالحقائق القدسية، منزه عن الصفات الحدثية، مقدس بجماله منعوت بكماله، متفضل على القلوب بمواهبه و نواله، معروف بعد له منعوت بفضله، انتهى. فلما سمع الرجل مقالة الجنيد قام و قبّل يده و تاب و لازمه حتى ظهر عليه الخير و لزم صحبته حتى مات رحمة اللّه عليهما. و اعلم أن أهل الدليل يستدلون بالصنعة على الصانع، و بالشاهد على الغائب و أهل العيان صار الغيب عندهم شهادة، و الدليل عين المدلول، فالقسم الأول أهل علم اليقين و الثاني أهل عين اليقين أو حق اليقين. القسم الأول عوام، و الثاني خواص أو خواص الخواص. قال الشيخ أبو الحسن: أهل الدليل و البرهان عموم عند أهل الشهود و العيان، قدسوا الحق في ظهوره أن يحتاج إلى دليل يدل عليه، فهو معنى قول الشيخ هنا: إلهي كيف يستدل عليك بما، أي: بالكون الذي هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك على تقدير وجوده من الظهور ما ليس لك، متى غبت عن البصائر و العيان حتى تحتاج إلي دليل يدل عليك، و ذلك الدليل لا قيام له إلا بك محال أن يظهر في الوجود غير نورك، و متي بعدت عن الأشياء التي قامت بك؟ أي: بقدرتك حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، لا مسافة بينك و بين خلقك، و لا قطيعة تقطعهم عنك إلا وجود الوهم و قاهرية الحجاب، أعاذنا اللّه منه بمنه و كرمه، و كيف تجوز عليه الغيبة، و هو الرقيب القريب، كما