ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٣ - ٣٥٣ - إلهي قد علمت باختلاف الآثار و تنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء
و كسيت ذاته وجودا معارا عليها، و هو وجود الحق المفاض على جميع الممكنات، فيرى ذاته المتوهمة: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [النور: ٣٩]. هنالك يصير العبد باللّه و للّه، أمره بأمر اللّه حيث لم يبق فيه شائبة لسواه، و لا شيء يحجبه عن اللّه، فهذا الذي أحبه مولاه، و اصطفاه لحضرة قدسه، و اجتباه لمناجاته و أنسه، فكان سمعه و بصره و ناصره و حافظة في متقلبه و مثواه، هناك يصير عارفا به في كل حال، و خصوصا عند اختلاف الأحوال، كما أشار إلي ذلك في المناجاة العاشرة فقال:
٣٥٣- إلهي قد علمت باختلاف الآثار و تنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء.
قلت: إنما اختلفت آثار القدرة لتعرف عظمة القادر، و اختلافها يكون في الأجسام كالعلويات و السفليات، و الجمادات و المائعات، و النورانيات و الظلمانيات، و المائيات و الناريات، و كاختلافها في الحيوانات، كأجناس بني آدم و الأنعام و البهائم، و الطيور و السباع و الوحوش و الحشرات، و باختلافها في الأعراض كالبياض و السواد و الحمرة و الصفرة و الزرقة و الشهوبة، و غير ذلك من الألوان؛ لتعرف من ذلك سعة قدرته و علمه و عظمة ذاته المقدسة، و إنما تنقلات أطوارها من شباب و كهولة و شيخوخة، و من مرض و صحه، و فقر و غني، و عز و ذل، و سلب ورد، و منع و عطاء، و قبض و بسط، و جلال و جمال، و حياة و موت، إلي غير ذلك لتعرفه تعالى في كل حالة من هذه الأطوار، و عند اختلاف أجناس هذه الآثار حتى لا تجهله في شيء منها، فإن الحق تعالى قد تعرف لعباده في أجناس مصنوعاته، و في اختلاف أحوال قدرته، جهله من جهله و عرفه من عرفه، فلا يسمى الإنسان عارفا حتى يعرف اللّه في الأشياء كلها، مع اختلاف آثارها و تنقلات أطوارها. فيعرفه في الذل كما يعرفه في العز، و يعرفه في السلب كما يعرفه في العطاء، و يعرفه في المرض كما يعرفه في الصحة، و يعرفه في