ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٦٢ - ٣٥٢ - إلهي ما أقربك مني و ما أبعدني عنك، و ما أرأفك بي، فما الذي يحجبني عنك
و إحاطتك، و ما أبعدني عنك بوهمي و سوء أدبي، أو ما أقربك مني بأوصاف الربوبية، و ما أبعدني عنك بأوصاف العبودية، فأوصاف الربوبية رفيعة القدر عظيمة الشأن، و أوصاف العبودية خسيسة القدر دنيئة المقدار، فلا مناسبة بينهما في القدر مع تلازمهما في المحل، بتحقيق الوحدة، فهما متلازمان في القيام، متضادان في الأحكام، و الرأفة شدة الرحمة و العطف، و ذلك يقتضي شدة القرب و الوصال، و ينفي وجود السوية و الانفصال و هو الحجاب، و لذلك تعجب الشيخ من وجود الحجاب بينه و بين مولاه مع شدة رحمته له و حباه، إذ من تعطف عليك و آواك لا يمكن أن تلفت عنه إلى سواه. و في الحكمة مكتوب: يا عبدي قد أسجدت لك الكون بما فيه الملك و أملاكه، و الملكوت و أملاكه، فأنت أنا بما أيدتك و أنا أنت بما قلدتك، فعش للأبد، فمقامك لا يزاحمك فيه أحد. يا عبدي خرقت لك الحجاب، و فتحت لك الباب، و أظهرت لك الأمر العجاب، فأبلغ قومك اللباب، و لو قالوا ساحر أو كذاب، فأنا قد وهبتك الأخلاق فدعهم يقولون: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [صّ: ٧]، يا عبدي قد جعلتك تقول للشيء كن فيكون، و ما عليك أن قالوا ساحر أو مجنون أنت تشرب من رحيق الكوثر، و هم يقولون: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: ٢٤]، عرجت بسرك إلى السماء، و علمتك خصائص الأسماء، فأنت أمين خزائن التحقيق، الدال لجميع الخلق على الطريق. يا عبدي من طعن في الوزير و سفه أمره، فقد رد أمر الأمير و جهل قدره، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] انتهى. فاللّه تعالى بجوده و فضله إذا اصطفى عبدا من عباده قربه بفضله، و اجتباه لحضرة قدسه، و صفاه من كثائف طبعه، و حمى شخصه من رعونات نفسه، فيصير من أهل قربه، قد ارتفع الحجاب عن عين قلبه، فزجت روحه في بحار الأحدية، و غاب سره في سبحات الألوهية، فإن كان ممن أريد الاقتداء به رد إلى شهود سر وجوده، و قد كحلت عين قلبه بسر الحقيقة،