ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٥٢ - ٣٣٤ - إلهي وصفت نفسك باللطف و الرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟
بعد ظهور ضعفنا؟ لطفت بنا و نحن للطف غير محتاجين، أفتمنعنا منه عند احتياجنا إليه، و أنت أرحم الراحمين، أجريت علينا رفقك قبل أن تبرزنا إلى دارك، أفتمتعنا منه بعد ظهورنا مع عظيم إبرارك؟ و من تفكر في عجائب صنع الإنسان، و ما خصه اللّه به من كمال الخلق و الإتقان، و ما يلحقه من ضروب المنن و الإحسان: وجد نفسه مغمورا في لطف مولاه، مرفوقا به في أول منشئه و منتهاه. قال بعض الحكماء: قد أدركت العقول مما أودع في الإنسان اثنتي عشرة ألف حكمة. و أما الذي لم تدركه العقول، فلا يعلمه إلا اللّه هذا في خاصة نفسه، و أما في غذائه و شرابه و لباسه و سائر لوازمه فأكثر من ذلك، قال تعالى:
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]، و قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [عبس: ٢٤] الآية، فسبحان من أعجزت العقول بدائع ألطافه، و قصرت الأفكار عن عظيم أوصافه: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]، ما أكثر لطائفه للمبتدئين، و أوضحها للمستيقظين، و أعظمها في جميع المخلوقين، قد سرى لطفه في جميع الأكوان، و أبهرت حكمته أفكار الإنس و الجان، و أنشدوا:
|
أحاط بتفصيل الدّقائق علمه |
فأتقنها صنعا و أحكمها فعلا |
|
|
فمن لطفه حفظ الجنين وصونه |
بمستودع قد مرّ فيه و قد حلّا |
|
|
تكنّفه باللطف في ظلماته |
و لا مال يغنيه هناك و لا أهلا |
|
|
و يأتيه رزق سابغ منه سائغ |
يروح له طولا و يغدو له فضلا |
|
|
و ما هو يستدعي غذاء بقيمة |
و لا هو ممن يحسن الشّرب و الأكلا |
|
|
جرى في مجاري عرقه بتلطف |
بلا طلب جريا على قدره سهلا |
|
|
و أجرى له في الثّدي لطف غذائه |
شرابا هنيئا ما ألذّ و ما أحلا |
|
|
و ألهمه مصّا بحكمة فاطر |
تجلّى لأرباب العقول بما أولى |
|
|
و أخّر خلق السّن عنه لوقتها |
فأبرزها عونا و جاء بها طولا |
|