ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٨ - ٣٣٢ - إلهي إن اختلاف تدبيرك، و سرعة حلول مقاديرك، منعا عبادك العارفين بك من السكون إلى عطاء، و اليأس منك في بلاء
٣٣٢- إلهي إن اختلاف تدبيرك، و سرعة حلول مقاديرك، منعا عبادك العارفين بك من السكون إلى عطاء، و اليأس منك في بلاء.
قلت: اختلاف التدبير، هو إقامة كل عبد في حكمته، على حسب إرادته و مشيئته، من فقر أو غنى، من علم أو جهل: من عز أو ذل، من قبض أو بسط، من سقم أو صحة أو مرض، من إيمان أو كفر، إلى غير ذلك من اختلاف آثار القدرة، و تنوع مظاهر الحكمة. و سرعة حلول المقادير، هو تبديل تلك الأحوال في أسرع حال، من فقر إلى غنى، و من غنى إلى فقر، و من علم إلى جهل، و من جهل إلى علم، و من عز إلى ذل، و من ذل إلى عز، و من قبض إلى بسط، و من بسط إلى قبض، و من سقم إلى صحة، و من صحة إلى سقم، و من إيمان إلى كفر و العياذ باللّه، و من كفر إلى إيمان، فقلوب الخلق بيد اللّه الواحد القهار، يقلبها كيف يشاء و يختار، و يفعل بها ما يشاء: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، فإذا تحقق العبد بهذا امتنع من أن يسكن إلى ما أعطاه مولاه، لأنه قد يسلبه ذلك في ساعة [واحدة[١]]، و امتنع أيضا أن ييأس من مولاه في وقت شدته و بلواه، قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥، ٦]. و دوام الحال من قضايا المحال، لكن لم يتحقق بهذا ذوقا إلا العارفون، فلذلك لا يسكنون إلى عطاء و لا ييأسون في بلاء، بل يسكنون إلى من بيده المنع و العطاء، فلذلك لا يزول اضطرارهم، و لا يكون مع غير اللّه قرارهم، و دليل ما قاله الشيخ قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:
٢٩]، و لا مفهوم لليوم، بل في كل لحظة هو في شأن يرفع أقواما و يخفض آخرين، يعز قوما، و يذل آخرين، يميت قوما و يحيى آخرين، يعطي قوما و يمنع
[١] - ليست في المطبوع.