ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٤٣ - ٣٢٨ - و أن يسلك بنا مسلك المتقين
٣٢٨- و أن يسلك بنا مسلك المتقين.
الذين اتقوا الشرك و المعاصي أولا، و الشهوات و العوائد ثانيا، و السوية و الغيرية ثالثا، و هو معنى قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ٩٣]، فالتقوى على ثلاثة أقسام بحسب المقامات:
فتقوى أهل مقام الإسلام حفظ الجوارح من المخالفات اتقاء سخط اللّه، و إليهم توجه الخطاب بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، و تقوى أهل مقام الإيمان حفظ القلوب من الهفوات و الخطرات، و إليهم توجه الخطاب بقوله تعالى:
وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ [البقرة: ١٩٧]، فإذا تطهر القلب من الهفوات و الخطرات منح بشهود معاني الصفات، و تقوى أهل مقام الإحسان حفظ السر مما سوى اللّه، فإذا تطهر السر من الأغيار منح بشهود الأنوار و هي عظمة الذات، و لكل مقام من مقامات أهل التقوى بواعث تبعث على تقواهم. فالباعث لأهل مقام الإسلام على تقواهم رجاء الثواب، و خوف العقاب، فتقواهم على سبيل الخوف، و الرجاء و الباعث لأهل مقام الإيمان على تقواهم شهود الجلال و الجمال، فتقواهم على سبيل الهيبة و الحياء. و الباعث لأهل مقام الإحسان على تقواهم شهود العظمة و الكمال، فتقواهم على المحبة و التعظيم و أنشدوا:
|
فكن أيها العبد المعنى أخا تقى |
حثيث الترقي في المعارج و اللطف |
|
|
وثق بلطيف الصنع تحظ بفضله |
و خلص إليه القصد يغنيك بالعطف |
|
|
و فوض و سلم وارق في درج الصفا |
على الكون تحظى بالمعارف و العرف |
|
|
و تدرك ما أمسى الورى عنه في غنى |
و تعرف أشياء تجل عن الوصف |
|
و من حصل مقام التقوى، و حاز منها الغاية القصوى، دام عليه السرور و الفرح، و ذهب عنه الحزن و الترح. روي أن رابعة العدوية رضي اللّه عنها لقيت عتبة الغلام